أخبار عاجلة
تجديد حبس عاطل لحيازته 100 تذكرة هيروين بالدقى -

غسان الإمام يكتب : ملاحم الحرب والسلم عند العرب

غسان الإمام يكتب : ملاحم الحرب والسلم عند العرب
غسان الإمام يكتب : ملاحم الحرب والسلم عند العرب

 

السلم في حياة العرب المعاصرين هدنة قصيرة في حروب مفجعة بينهم وبين

مستعمريهم. وجيرانهم. وأقلياتهم الدينية والعرقية. وكلها دارت على مساحة

وطنهم البالغة 12 مليون كيلومتر مربع. والمعادلة لمساحة الولايات المتحدة

الأميركية.

هالني عدد هذه الحروب. أحصيت نحو 25 نوعًا من الحروب العربية التي دارت منذ

مطلع القرن العشرين إلى الآن. مع هذه الحروب، يصح التساؤل: هل العرب أمة

واحدة حقًا؟ نعم، العرب أمة واحدة، ولو كره المترددون. والناكرون. فالأفراح.

والآلام. والعواطف. والمصالح. واللغة. والثقافة. والدين، دليل شاهد على

أنهم أمة واحدة. لكن لا بد من الاعتراف بأن الوحدة القومية ظلت هاجسًا لم

يتحقق قط.

أجد أن إمساك العرب المسلمين بالسلطة السياسية في العصر الأموي. وفي

المرحلة العربية من العصر العباسي (نحو 250 سنة) ضمن نوعًا من الوحدة

الدينية للعرب المسلمين. هذه الوحدة ما لبثت أن تشرذمت، بعد سقوط السلطة

السياسية من قبضة العرب، منذ خلافة المعتصم بالله، إلى عصرنا الحديث. وقيام

دويلات إسلامية من دون استئذان على سطح العالم العربي، للأكراد. والأتراك.

والفرس. ثم المماليك. والفاطميين. وأخيرًا الأتراك العثمانيين.

هل كان الدين عائقًا للوحدة العربية؟ الواقع أن الإسلام دين عالمي لا يعترف

بالعنصريات. والقوميات، وإن كان قد منح العرب مكانة واعتبارًا لائقين. لأنهم

كانوا الأمة التي حملت الدين الإسلامي بلغتها إلى العالم أجمع.

الطريف أن العرب في العصور المملوكية. والفاطمية. والعثمانية كان من السهل

عليهم الانتقال. والإقامة. والعمل، في أي قطر من أقطارهم، فيما يستحيل

عليهم ذلك الآن، حيث تنتصب الاستقلالات. والكيانات. والسيادات، في وجه أي

محاولة وحدوية.

نجح العرب في النضال الوطني ضد الاستعمارين التركي والأوروبي. لكن

الاستقلال العربي كان حائلاً. أو بالأحرى بديلاً للوحدة القومية. بل كان

النظام العالمي مانعًا بالقوة. أو بالسياسة، لوحدة أمة كبرى تسيطر على معابر

أهم البحار. والمحيطات. والقارات.

بعد حروب الاستقلال، كانت الحروب مع إسرائيل مفاجأة للعرب لم يستعدوا لها.

خسر العرب ثلاث حروب نظامية لم تُجند فيها طاقات وقدرات المجتمعات المدنية

العربية. وانتهت هذه الحروب بمعاهدات سلام بارد بين إسرائيل، ومصر،

والأردن. وسلطة منظمة «فتح» الفلسطينية.

لم يكن نسيان الوطن المغتصب هينًا. بل كان السلام خطرًا. فقد تقدمت

الآيديولوجيات «الحماسية». والشيعية (اللبنانية) على النضال الوطني

الفلسطيني. ولم تتمكن هذه الآيديولوجيات من اختراق الأرض المحتلة، ولو بشبر

واحد. بدلاً من ذلك، نجحت «حماس» في تصدير الآيديولوجيا الدينية المتزمتة

إلى سيناء، لتزيد في ألم الشقيقة الكبرى مصر. وورطت إيران شيعة «حزب الله»

في حرب استنزاف «لتحرير» سوريا من العروبة. وليس لتحرير الجولان من إسرائيل.

كانت الانقلابات العسكرية الكلاسيكية. والطائفية. والآيديولوجية حروبًا

عربية حقيقية أفضت إلى كوارث اجتماعية. وسياسية. وحده الانقلاب الناصري

(1952) كان بمثابة ثورة اجتماعية إصلاحية تستند إلى الشخص / البطل. وليس

إلى المؤسسات الدستورية المستقلة. والدائمة.

حققت الناصرية وحدة عربية بين مصر وسوريا. وانتهت بفشلها وفشل المشروع

القومي الوحدوي، في صراعه مع أميركا وإسرائيل. وبقي توحيد الملك عبد العزيز

آل سعود لصميم شبه جزيرة العرب هو المشروع العربي الوحدوي الناجح إلى الآن.

وارتكب عبد الناصر خطأ استراتيجيًا في اشتباكه مع النظام الخليجي الذي دعمه.

ووقف معه في حرب السويس ضد إسرائيل وأوروبا (1956).

كان نظام السبعينات بمثابة حرب طويلة على مجتمعاته العربية. وقدم رؤساؤه

أنفسهم على أنهم ورثة لعبد الناصر ولمشروعه القومي. أشعل صدام حسين حروبًا

عبثية مجنونة، فساهم في تدمير العراق، كجدار شرقي حامٍ لعروبة المشرق والخليج.

وهيأ صدام الأسباب المبكرة لتصدع الكتلة السنية العربية، بمعاول الأكراد.

والفرس. والروس. وإسرائيل. والتنظيمات «المتأسلمة»، كداعش. والقاعدة.

والنصرة. أما القذافي فقد كان الصورة الكاريكاتورية لصدام. وترك ليبيا

ممزقة. وموزعة بين منافسات عربية. ومطامع أوروبية.

أطل القرن العشرون بحرب عربية / تركية (1916) أنهت الإمبراطورية العثمانية

(1923 / 1924) بقطيعة تامة بين العرب والترك. ها هو رجب طيب إردوغان يعيد

بناء العلاقة التركية / العربية، بمعونة «الإخوان المسلمين»، انطلاقًا من

الميدان السوري الملتهب بنار حرب أهلية بين نظام شرس وخطر. وتنظيمات سياسية

ومسلحة لا تقل عنه خطرًا. ويكتوي ملايين السوريين بالحرب المجنونة بين

النظام والتنظيم. ويصفون الجانبين بالمثل العامي السوري: «فخار يكسِّر بعضه».

الانتفاضات العربية هي أيضًا حروب خسرها نظام السبعينات الرئاسي في مصر.

وتونس. واليمن. لأن الجيوش النظامية في هذه الدول لم تعد تطيق حماية

المؤسسة الرئاسية من غضب وثورة المجتمعات المنتفضة. ما يحدث في سوريا كان

استثناءً. فالنسيج الطائفي للنظام السوري كان أكثر تماسكًا. لو أن بشار الأسد

تجاوب مع مطلب شعبه برحيله، كما فعل حسني مبارك. وزين العابدين بن علي،

لتمَّت على الأرجح تصفيته بأيدي الطائفة العسكرية والأمنية التي اخترقتها

المخابرات الإيرانية.

لماذا نجحت الدولة الخليجية في تجنب مصير النظام العربي الرئاسي؟ الأسباب

كثيرة، لعل في مقدمتها الشرعية التاريخية للأسر السنية الحاكمة التي تمكنت

من إقامة شكل من أشكال التعايش والحوار مع مجتمعاتها المحافظة. وتساعدها

على ذلك الحرية الاقتصادية. والحياة المرفهة نسبيًا للإنسان الخليجي.

أثبت التونسيون أنهم أشد وعيًا وتماسكًا من إخوتهم السوريين. كانت «أسلمة»

الانتفاضة السورية قضاء على مستقبلها. فتزمتها يجعل من الصعب القبول بها،

في نظام وفاقي مع الأسد أو من دونه. ومع معارضات سياسية أشبه بزرافات لا

تضر. ولا تنفع. المشكلة في أن النظام الممول لم يدرِ إلى الآن أن التقاليد

السورية المحافظة تنطوي على قدر من الليبرالية تحول دون قيام دولة سورية

دينية تستحم بـ«البوركيني» في المياه المتوسطية.

ثمة بصيص يوحي بأن إدارة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب ترى في

«النظام السني» العربي قابلية للتعايش معه، أكثر من قابلية التعايش مع

النظام الإيراني. بل لا أعتقد أن الوفاق سيطول بين ترامب وبوتين. فلم يجمع

بينهما سوى العداء لسيدة اسمها هيلاري كلينتون. والنظام العربي الذي صوت

لهيلاري، سوف يرحب بالتفاتة ترامب نحوه. لأن ترامب لن يصدع رؤوس العرب

بالتغزل بالديمقراطية. والليبرالية. وحقوق الإنسان.

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى جهاد الخازن يكتب : كاسترو بين أنصاره وأعدائه