أخبار عاجلة
"الكرملين": "بوتين" يزور فرنسا الإثنين المقبل -
أخبار الإسماعيلى اليوم الاثنين 22 / 5 / 2017 -

تجديد الخطاب الديني وقراءة التاريخ

تجديد الخطاب الديني وقراءة التاريخ
تجديد الخطاب الديني وقراءة التاريخ

تحدثنا في مقال الأسبوع الماضي عن إشكالية تعامل العقلية الإسلامية مع المفاهيم المستقرة في الوعي الجمعي العالمي مثل المواطنة والدستور، ومحاولة استنطاق التراث الإسلامي ليقر بمعرفته إياها مبنى ومعنى، ونوكد هنا أن هذا فيه تضييق لواسع، وإيقاع للنفس في حرج معرفي شديد، فضلا عم ينم عنه من قصور في فهم معنى التراث والحضارة اللذان لا يسقطان من علِ، بل يوجدهما الإنسان متأثرا بزمان ومكان، ومن ثم تعد أي فكرة أنتجها الفكر الإسلامي فقها أو سياسة، هي بنت زمانها، وتخضع للمراجعة وفق ظروف كل زمان ومكان بما يحقق المصلحة التي يراها العقل التجريبي، هذا من جانب، ومن جانب آخر لا يطالب العقل الإسلامي الحالي بإثبات أن تراثه عرف هذه الفكرة أو تلك، كما لا يجب عليه أن يضع نفسه في هذا الحرج، حتى لا يضطر إلى التلفيق بدلا من التوفيق، وكل ما عليه في إطار تجديده للخطاب الديني ـ هذا إن عجز  عن الإبداع وابتكار أفكار تمكنه من مواكبة العالم متسارع التطور ـ  أن يتعاطى بوعي مع الأفكار الكونية السائدة من منطلق النفع والضر، أو الخير والشر؛ فطالما أن المنتج المعرفي، أيا كان مصدره، يخدم الإنسان ويحقق مصلحته، فالإسلام لا يقره فقط، بل يحث عليه، أو كما قال ابن القيم في رائعته (إعلام الموقعين عن رب العالمين) رغم ما يعتري هذه التسمية من مخاطر معرفية: "فإذا ظهرت إمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه".
 بناء على ما تقدم علينا أن نقرأ التاريخ بوصفه منتجا بشريا مقيدا بظرفي الزمان والمكان، وما رآه الإنسان محققا لمصلحته في ذلك الأوان، بغض النظر عن شخوصه ومكانتهم، بهذا المنهج في القراءة يمكننا الحكم على أي فكرة في التراث بأنها نافعة أو ضارة، قياسا على ظروف زماننا لا زمانها، فقد تكون إبداعا لعقلية عبقرية قياسا على ظروفها، بينما لا تعد صالحة قياسا على ظروفنا، وفي هذا تقدير للتراث وشخوصه، واحترام للحاضر وفروضه، وخلق مساحة لحل مشاكل العصر بالنظر للأمام لا للوراء أو أسفل القدمين، وبه لن نجد حاجة للتقوقع خوفا من حل مستورد، وهو التعبير الذي ورد في إعلان الأزهر الأخير للمواطنة، مقتبسا إياه من عنوان كتاب شهير للعبقرية الفقهية مأساوية النهاية يوسف القرضاوي، رغم ما بدا حديثا بين الطرفين من بون شاسع وصل للعداء في التوجه السياسي وتصور علاقة الدين بالسياسة.
بهذا المنهج يمكننا نحن تحديد محددات المصلحة بأن العقل البشري هو معيارها في كل ما يتعلق بالشأن الدنيوي المتغير، في حين أن النص الشرعي هو معيار الحكم على الشأن الديني العقائدي الثابت، يمكننا هذا دون الحاجة إلى البحث في التراث عمن قال ذلك والاحتماء وراءه، مها كان شأنه، يمكننا ذلك دون ضرورة الاستشهاد ـ رغم ما فيه من فائدة ـ برسالة نجم الدين الطوفي الحنبلي في المصلحة وربطه الدنيوي منها بالعقل التجريبي، أو الحاجة إلى تأويلها رغم وضوحها ، يمكننا أخيرا رسم الحدود  المناسبة بين الثابت الديني والمتغير الدنيوي، تلك الحدود المنسية عمدا لأغراض سياسية، أو جهلا لقصور معرفي، حيث يقتصر الحديث عنها عند أرباب الفكر السياسي الإسلامي على التفرقة النظرية فقط، دون معالجة عملية بأمثلة حية واقعية، وهو ما سنحاول التطرق له في المقالات القادمة مبينين الفروق وكذلك التداخل بين الفقه والشريعة، ودور الإلهي والبشري في كل منهما كبداية لمعالجة كافة المفاهيم السياسة الدينية، وإشكالياتها الحضارية، إسلامية كانت أو أجنبية.

 

Dr. Assem Hefny
Akademischer Rat
Centrum für Nah- und Mittelost- Studien (CNMS)
مركز الدراسات الشرق أوسطية
Universität Marburg

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى بعد مئة يوم من حكم ترامب : وعود فريده وإخفاقات أكيده...!