أخبار عاجلة
جدة: «الحمدانية» يفسد بريق «الجوهرة» -
البلوي: سأسعى مع زملائي لتقديم رؤى جديدة -
تعثر الجسر المعلق -
مفاوض إيراني: ترمب يخطط لتغيير النظام -
حديث العدسة -
«الارتداد السادس» يربح المؤشر297 نقطة -
130 خبيرا من 45 جهة يناقشون استعدادات حج 38 -

ڤيروسات حضارية

ڤيروسات حضارية
ڤيروسات حضارية

هل تعلم أنك لا تعلم الكثير من الحقائق الأساسية عن حضارتك المصرية القديمة؟ 

أيًا كانت الإجابة.. فالسؤال السابق ليس بأهمية الأسئلة التالية:

- هل تعلم أنك من الممكن أن تكون مُضَلَّل حضاريًا .. يعني بالبلدي "مضحوك عليك" في أصلك وتاريخك؟

- هل تعلم أن "المُضَلَّل" من الآباء والأمهات يساهم بشكل أساسي في رسم طريق "الضلال الحضاري" لأبناءه دون أن يشعر؟

- هل تعلم أن الضلال الحضاري يحرم الإنسان من ذاكرة إنسانية سليمة .. تعي المعاني الإنسانية الرائقة دون تشويش؟

- هل تعلم أن من لا يعي حقائق تاريخ حضارته ودورها في تنميته "إنسانيًا" وليس "بشريًا" يعاني من أزمة هوية متجذرة مهما بدا سليم البنيان الفكري؟

___

الحقائق تختفي خلف الخرافات..والخرافات لها قوة الڤيروسات التي تصيب الوعي بالشلل حينما تنشط في بيئة ظلمها وأظلمها الجهل والتجهيل.

___

إليكم الڤيروس الأول: 

فرعون موسى هو الملك العظيم رمسيس الثاني

تلك واحدة من أهم الخرافات التي أبدع "الآخر الحضاري" في نسجها وتقوية أثرها بإخلاص غير عادي عبر آلاف السنين.. كي تشكل منظومة حقول للڤيروسات الفكرية التي تنتشر بدقة لتصيب مهتز الهوية في مقتل يمنعه من استكمال رحلته على طريق الوعي بمقدرات حضارة المصريين أرضًا وشعبًا.

العجيب أن من يردد تلك الخرافة من سواد المصريين وغيرهم يؤكدها بإخلاص شديد وكأن رمسيس الثاني كان زميلًا لوالده في المدرسة الابتدائية.. لكن الحظ قد أصابه ليصبح ملكًا مصريًا قديمًا !!

أولًا: اسم تتويجه هو "رع مِس".. أي " المولود لرع" .. وهو واحد من اثني عشر ملكًا مصريًا حملوا ذلك الاسم عند التتويج.. وجمعه "رعامسة" .. أما رمسيس فهو النطق اليوناني القاصر للاسم.

ثانيًا: لا يوجد أي سند تاريخي أو علمي يؤيد تلك الخرافة.. وكل ما تم نسجه من خلال الخلط بين المصادر الدينية والتاريخية في هذا الأمر كان جزءًا من صراع وجود للعبرانيين مع نسق الحضارة المصرية وأثرها التاريخي في تطور الإنسانية.

ثم خلفهم في أوروبا حملة التراث أحادي الرؤية المغتر المنغلق.. الذي يسعى للسيطرة على مجرى التاريخ ومقدرات البشرية.. 

وتم ترسيخ تلك الخرافة كأحد أعمدة الإفك التاريخي على يد صناع المشروع الصهيوني المتطرف وأتباعه وصولًا إلى عصر العولمة..

أتفهم جيدًا أن يتبني الآخر الحضاري تلك الخرافة وأن يبدع في تسويقها عالميًا من خلال أذرع القوة الحضارية الناعمة المتمثلة في منتجات كياناتهم الثقافية الراسخة.. والأفلام الدعائية الأمريكية التي تحرص عبر تاريخ هوليود على ترسيخ تلك الخرافة في وعي الشعوب المستهلكة للأفكار سابقة التجهيز في الشرق قبل الغرب.

لكن المؤسف أن يُكَرِّس بعض الباحثين المنتمين لليمين الديني السياسي أحاديوا الرؤية والمشرب جهودهم البحثية لخدمة وترسيخ تلك الخرافة في الوعي المصري.. بل إن مؤسسة الأزهر ذاتها تساهم بعدم إدراك القائمين عليها لخطورة الأمر في تلك التعمية النكدة .

ويستميت هؤلاء في مناظرات مُفرَغة مع من يتلمسون الحكمة في الاختلاف العلمي المشرف .. تتحول  إلى معارك صفرية لا هدف فيها إلا الانتصار لوجهة نظرهم القاصرة على حساب هوية وطن عريق.. ومستقبل أبناءه الفكري.
____

هل هناك تحالف مقصود بين هؤلاء ممن يطلق عليهم الباحثون الأصوليون ومؤسسة الأزهر الشريف من جهة وبين الصهيونية العالمية من جهة أخرى؟ 

بالقطع لا.. لكن التطرف والجمود الفكري في أمر الحضارة الإنسانية.. والطائفية المقيتة.. وتقديس الموروث التراثي غير المنقح .. وازدراء حضارة المصريين.. تعد صفات مشتركة تجمع بين تلك الأطراف.

___

الخطورة تكمن في أن أصحاب الضلالات الحضارية يساهمون في تنشيط وإنجاح ڤيروس "ازدراء المصريون لجذور حضارتهم".. ليتحول "اضطراب الهوية" الحادث إلى "استقرار هوية ممسوخة زائفة" للأجيال القادمة.. فمختل الذاكرة لا يدرك معاني الأشياء وأهميتها.

بينما تنعدم منظومة "قوة حضارية ناعمة" في ظل جهاز حكومي نخرته البيروقراطية في مجالات الثقافة والتعليم .. يمارس "فن التمثيل والإيهام" بالجدية .. ويندمج فيه متجاهلًا الواقع المجتمعي المخيف.. وقائمون عليه ما زالوا يحترفون إطلاق الشعارات الجوفاء وهم يبغون بها وجه الأعلى درجة وظيفية.
____

لنَعِي  تلك الحقائق في أمر فرعون موسى:

١- قصة فرعون موسى هامة للمسلمين والمسيحيين واليهود لآنها مذكورة في كتبهم المقدسة وجزء من تراثهم الديني.. بينما لا ذكر تاريخي أو سند أثري يدل عليها من جهة الحضارة المصرية.

٢- قرآن المسلمين ليس بكتاب تاريخ.. ولا يجب الاعتماد عليه في رصد حقيقة متروكة لتطور علوم كالآثار والتاريخ.. فالعلوم وثوابتها قد تتغير مع حلقات التطور المعرفي.. بينما تظل كلمة الله أزلية أبدية ثابته.. 

فماذا لو ربطنا كلمة الله الثابته بنتاج علوم قد تنقلب مفاهيمها رأسًا على عقب بسبب اكتشاف جديد؟ ألا نساهم بذلك في فتنة الناس في كتابهم المقدس؟

٣- ما يحويه القرآن الكريم من قصة موسى والطاغية يُمَثِّلُ رمزية للصراع المتجدد في كل زمن ومكان يقف فيه صوت الحق أمام فتنة سلطة مطلقة لا تؤمن بالله (شخصية فرعون) .. وفتنة كهنوت تلك السلطة من أصحاب العلم المسخر لخدمة صاحب السلطة (شخصية هامان).. وفتنة الثروة الطائلة التي يدعي صاحبها أنه قد أوتيها على علم عنده (شخص قارون).

٤- الإيمان بأن الله قد نجَّى فرعون ببدنه ليكون آية.. لا يعني مطلقًا التصديق الأعمى بأن هذا البدن هو واحد من مومياوات الملوك المصريين المكتشفة.. فالإيمان بآيات الله يتعارض مع تطويع تأويلها لخدمة غرض بعينه.

٥- لا يوجد حتى تلك اللحظة دليلًا تاريخيًا قاطعًا يحدد شخص فرعون موسى وزمنه.. قولًا واحدًا.. لذا وجب التصدي بالمنطق لأشكال "الاستنطاع العلمي" أحادية الرؤية.. التي تقتات على اضطراب الهوية في هذا الأمر وغيره.

٦- كل من يحاول القطع يقينًا بتحديد شخصية فرعون موسى دون بَيِّنة أثرية هو مُستتبع لأعداء حضارة مصر وللصهيونية العالمية.. يساهم على غير علم في تنشيط هذا الڤيروس الحضاري في ذاكرة الوطن العتيقة".

في بدء وجود الإنسان خلق الله آدم وزوجه .. ومنحهما العقل والقدرة على الاختيار تشريفًا وابتلاء.. ثم علَّم آدم الأسماء كلها.. وبالتالي تمكن آدم من "فهم المعاني" المرتبطة بالأشياء بوضوح تام.

من المعاني التي تعلمها آدم وزوجه من الله أن الإنسان لم يُخلق للخلود الجسدي أو الملك الأبدي.. ثم مر وقت نسى آدم وزوجه بعض مما سلف من علم المعاني.. واتبعا خطوات عدوهما "إبليس" الذي أغراهما بالأكل من شجرة الخُلْد ومُلك لا يبلى.. 

فأصابتهما صدمة الخروج مما كانا فيه بسبب "النسيان".
____

بالحق.. القلم اللي رزعه عماد حمدي لعبد الحليم حافظ في فيلم الخطايا رن جامد في ودن عبد الحليم.. لدرجة ان ودنه اتسورت ودماغه لفت.. فابتدى يفوق ويسأل اسئلة مصيرية وهو مش مصدق نفسه انه غريب عن أسرته اللي ربته:

يعني انت مش أبويا؟ وانت مش اخويا؟ وانتي مش أمي؟ 

وابتدى يدرك انه "لقيط" .. له بكل تآكيد قصة وتاريخ تختلف تمامًا عن الوهم الذي عاش فيه..

استيقظ من غفلة استمرت سنين طفولته ومراهقته ومطلع شبابه ليجد نفسه في مواجهة أزمة هوية طاحنة..

فانتهى به الأمر في المشهد التالي وهو يُغني أغنية "لست أدري": 

جئت لا أعلم من أين.. ولكني أتيت.. ولقد أبصرت قدماي طريقًا.. فمشيت......وخلاص..

لأن كل ما تحويه ذاكرته من ذكريات عائلية ومصداقية لمن حوله أصبح في لحظات مجرد وهم..

فلنستيقظ إذًا كي نصبح من "غير المضحوك عليهم"

وللحديث بقية

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى جهاد الخازن يكتب : كاسترو بين أنصاره وأعدائه