أخبار عاجلة
ما هي أحدث رسائل «حساب المواطن» لمستفيديه ؟ -
«مدني تبوك» ينقذ مواطناً علق في جبال الديسة -

حرب الخرائط العربية

حرب الخرائط العربية
حرب الخرائط العربية

أزمة عربية غريبة فى أكثر من موقع الآن، محورها صناعة الخرائط المزيَّفة، أو بمعنى آخر صناعة الحدود المزيَّفة، خرائط تتضمَّن حدوداً جديدة للدول ذات الصِّلة، أزمات جديدة لا تتعلق بمناطق النزاع فقط، كحلايب وشلاتين بين مصر والسودان، أو جيزان ونجران وعسير بين السعودية واليمن، أو الصحراء فيما يتعلق بالمغرب، أو حتى جزر فوكلاند فى النزاع بين بريطانيا والأرجنتين، أو النزاع التاريخى القبرصى بين تركيا واليونان، وغير ذلك من المناطق التى كانت ومازالت ملتهبة، على اعتبار أن الخلافات بشأنها متجذِّرة، وقد ترتفع أو تهدأ حدَّتها بين وقت وآخر، طبقاً لأى أحداث طارئة.

الغريب هو أنه كما فى تزييف السلع تماماً من خلال مصانع بير السلم، أصبحت هناك مصانع بير سلم لتزييف الحدود بين الدول، من خلال تزييف هذه الخرائط، التى يتم تدريسها أحياناً لطلاب المدارس، وأحياناً أخرى تتم الاستعانة بها فى وسائل الإعلام، إلا أن الجديد فى الأمر هو وضعها فى المتاحف بما يفجِّر أزمات غير محسوبة العواقب، ذلك أن الطرف الآخر المُضار يقوم هو الآخر على الفور بإنشاء مصنع بير سلم لهذا الغرض، أى لصناعة خرائط مزيَّفة على النقيض من الأولى، بما يجعل الأجيال المتعاقبة تعيش حالة من التزوير على كل الأصعدة، دراسياً، وإعلامياً، وتراثياً، وهو أخطر ما تتوارثه على المدى البعيد.

الجديد فى عالم تزييف وتزوير الحدود هو صناعة خرائط مستحدثة، بأزمات مستحدثة أيضاً، أى لمناطق كانت آمنة ومستقرة، بما يفتح الباب أمام نزاعات جديدة لم يكن لها وجود، وهو الأمر الذى تتسارع معه ردود الأفعال التى لم تعد تتوقف على الرسمى منها فقط، بحكم تطور وسائل الاتصال، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعى التى تلتقط من خلالها الشعوب أطراف القضية- أى قضية- لتبدأ سجالات ساخنة وحروب من نوع جديد، ربما لا تقل خطراً من المواجهات على الأرض، ذلك أنها تخلق فجوة بين الشعوب قد يصعب تداركها فى المستقبل، نتيجة استخدام تعبيرات صارخة تصل إلى حد الخوض فى الأعراض، وغيرها من أساليب السب والقذف المتبادل.

تابعنا خلال الأسابيع الأخيرة أزمة فجَّرتها خريطة جديدة بأحد متاحف أبو ظبى، لم تتضمن وجوداً لدولة قطر من الأساس، أى أنه لا وجود فى شبه الجزيرة العربية لدولة قطر، وهو ما اعتبره القطريون تمهيداً لشىء ما فى المستقبل، أو لتحقيق أطماع معينة، وعلى الفور ظهرت خرائط من الماضى على الجانب القطرى تشير إلى ساحل عُمان بدون دولة الإمارات، يمتد من حدود اليمن على المحيط الهندى حتى مضيق هرمز مع إيران، وهو الأمر الذى ثارت معه تعليقات مواطنى دولة الإمارات، بينما كان المواطن العُمانى هو الآخر ينتفض تعقيباً على ظهور خريطة بالمتحف تبتلع محافظة مسندم العمانية التاريخية، الواقعة على مضيق هرمز مباشرةً.

أعتقد أننا أمام ألعاب نارية أكثر منها مكائد سياسية، لم يفطن صانعوها إلى ما يمكن أن تسفر عنه مستقبلاً على الأقل، وليس الآن فقط، إما فى إطار المراهقة السياسية، وإما فى إطار تنفيذ مخططات خارجية تستهدف إحداث مزيد من الوقيعة بين شعوب ودول المنطقة، وإما أن هناك من الأنظمة من يرى فى الحروب نزهة ترفيهية، أو أن صفقات السلاح بأنواعها تمثل حماية من مخاطر وأهوال الحروب بشكل عام، وجميعها تصورات تحتاج إلى إعادة نظر، ذلك أنها لا تعدو كونها خيالات وأوهاماً لا أكثر من ذلك ولا أقل.

هذه الأزمة التى تعيشها بعض العواصم والشعوب العربية فى حاجة إلى تدخل سريع من جامعة الدول العربية على الجانب العربى، ومن منظومة مجلس التعاون على الجانب الخليجى، تضع فى الاعتبار عوامل كثيرة، أهمها اعتبارات المستقبل وما يتم تصديره للأجيال المقبلة من أزمات، ناهيك عن أواصر التداخل بين هذه الدول من جوانب كثيرة، تتصدَّرها صلات القربى والنسب والمصاهرة والعائلة الواحدة والقبيلة الواحدة، وبصفة خاصة على امتداد المناطق الحدودية، أى أن الأمر لا يتعلق بالاعتبارات السياسية والعلاقات الثنائية فقط، إنما يتعداه لاعتبارات كثيرة ربما لا تتوافر فى بقاع أخرى من العالم.

المتابع للشأن العربى فى هذه المرحلة، والخليجى منه بصفة خاصة، سوف يكتشف أن علاقات الشعوب أصبحت الأسوأ عبر التاريخ، بعد أن كانت هذه الشعوب تنظر لخلافات الحكام أو الحكومات فى أزمنة سابقة على أنها لا تعنيهم من قريب أو بعيد، كانوا يتندرون عليها باعتبارها أزمات طارئة، أما وقد حملت وسائل الإعلام هنا وهناك على عاتقها توسيع هذه الهوة، ناهيك عن تصريحات المسؤولين غير المدروسة، فإن الأمر فى حاجة إلى وقفة جادة من النُّخب المشهود لها على الساحة الثقافية على الأقل.

كنا نتمنى مع التوجُّهات العالمية فى القارات المختلفة نحو سياسة التكتلات والأحلاف والتجمعات أن نرى مناهج دراسية عربية مشتركة، من حيث التاريخ والجغرافيا بشكل خاص، ذلك أننا أمام شعب واحد، وتاريخ واحد، وجغرافيا واحدة، ناهيك عن وحدة الدين واللغة، وهو الأمر الذى يجعل من مثل هذا التوجه أمراً يسيراً، بل يمنحه زخماً لا يتوافر أيضاً لأقطار أخرى فى العالم، الأمر لا يحتاج إلا إلى إرادة سياسية فقط، وهو أمر يسير، إلا أنه يتطلب أيضاً استقلالية فى اتخاذ القرار، وهذه هى المعضلة التاريخية!!.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى