أخبار عاجلة
بالفيديو.. سقوط برج كهرباء على منزل في السلام -
دعوى قضائية تطالب بإلغاء قرار تسعير الأدوية -
ضبط تشكيل عصابي تخصص في خطف الأطفال بأسيوط -
ضبط 64 قطعة سلاح ومخدرات في حملة بالغربية -
إحالة 304 متهم بـ"حركة حسم" إلى المحكمة العسكرية -
مصادرة 200 طن أرز بحوزة تاجر في الغربية -
ضبط 1000 قطعة ذهبية وتماثيل ببني سويف -
تأجيل محاكمة 57 متهماً في أحداث "عنف بديرمواس" -
هاني زادة: الحكم في قصية «موندومو» بعد شهرين -

«المصري اليوم» في «ناسا»: هنا بوابة الوصول للفضاء

لعل أول ما يقفز إلى ذهنك عند التفكير فى أى أمر يتعلق بالفضاء هو وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، فلا يمكن أن يكون هناك حديث عن الفضاء بدون ذكر «ناسا»، وليس من المتصور أن يذهب أحد بخياله إلى ما وراء النجوم بدون أن يمر أولا عبر هيوستن، بولاية تكساس، حيث تقع غرفة التحكم الأرضية الأهم لناسا، أو كما يقال «الفضاء هو ناسا، وناسا هى الفضاء».

جولة المصري اليوم في وكالة الفضاء ناسا

فمن لا يتذكر ذلك الاسم المميز عند قراءة أول رواية خيال علمى، ومن لم يتعلق بذاكرته الشعار الأزرق المحبب منذ مشاهدة أول فيلم خيال علمى؟! ومن ينسى لحظات الأرض الأخيرة فى أفلام هوليوود، حيث تكون آمالنا اللاهثة وآمال البشرية معلقة بـ«ناسا» باعتبارها الملاذ الأخير للإنسانية من الأخطار الفضائية المحدقة التى تحيط بكوكبنا، سواء كان الخطر مذنبات وكويكبات أو غزوا فضائيا محتملا أو حتى فيروسا قادما من أعماق الفضاء السحيقة ليهدد الحياة البشرية.

NASA اختصارا لـNational Aeronautics and Space Administration أو الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء، تتبع الحكومة الفيدرالية الأمريكية وتضم أكثر من 18 ألف عامل بين علماء وباحثين ومهندسين وتقنيين وفنيين ورواد فضاء يعملون بنحو 20 مقرا إداريا ومنشأة بحثية وقواعد لإطلاق الصواريخ فى كافة أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية.

بلغت ميزانية العام الجارى 2016 ما يقدر بـ19 مليارا و300 مليون دولار، ومن المقرر أن تكون ميزانية 2017 بنفس المبلغ تقريبا.

يقع المقر الإدارى الرئيسى لناسا فى العاصمة الأمريكية واشنطن، وغرفة التحكم الأرضية الأهم فى هيوستن بولاية تكساس، بينما يقع أهم موقع تابع لها لإطلاق الصواريخ الفضائية فى كيب كانافيرال على ساحل الأطلنطى، غرب ولاية فلوريدا، أو كما يطلق عليه ساحل الأقمار الصناعية.

«المصـرى اليـوم» توجهت إلى هناك لتصحبكم فى جولة خاصة جدا داخل أهم موقع لناسا، حيث يعد القاعدة الأولى لإطلاق الصواريخ الفضائية، أو كما يطلق عليه «ميناء أمريكا الفضائى»، ومن هنا انطلقت الرحلة المأهولة الأولى إلى القمر، كما أنه من المقرر أن تنطلق من هنا أيضا أول رحلة للإنسان لغزو الكوكب الأحمر بحلول 2025 كما تخطط ناسا.

تأسست ناسا فى 29 يوليو 1958، تحت شعار «من أجل الوصول إلى آفاق جديدة والكشف عن المجهول لصالح البشرية» بقرار من الرئيس الأمريكى وقتها أيزنهاور، بميزانية سنوية بلغت فى ذلك الحين 100 مليون دولار وثمانية آلاف موظف يعملون بثلاثة مختبرات أبحاث رئيسية، ومرفقين صغيرين للاختبار، ثم قفزت الوكالة قفزة كبيرة بالرعاية اللامحدودة من جانب الرئيس جون كينيدى للبرنامج الفضائى الأمريكى، حيث حدد للوكالة هدفا بإرسال رجال على سطح القمر وإعادتهم سالمين.

وتضم الوكالة 20 مركزا ومنشأة وموقعا، أهمها مركز جون كينيدى الفضائى بفلوريدا، ومركز ليندن جونسون الفضائى بتكساس، ومركز جورج مارشال للطيران الفضائى بآلاباما، ومركز كودارد للطيران الفضائى بميريلاند.

جولة المصري اليوم في وكالة الفضاء ناسا

وتعمل ناسا بأربعة مجالات رئيسية وهى؛ الطيران والملاحة الجوية، واستكشاف البشرية من خلال محطة الفضاء الدولية، حيث عملت ناسا بالتعاون مع روسيا وشركائها الدوليين فى الحفاظ على وجود بشرى دائم فى الفضاء منذ عام 2000، لاستكشاف المجال الشمسى والكون، وأخيرا تكنولوجيا الفضاء.

وبحلول نهاية 2016 ستكون ناسا نفذت ما يزيد على ألف عملية إطلاق للفضاء، وتخطط للوصول لذروة الإطلاق للفضاء بحلول فبراير ومارس 2017 حيث تخطط لتحقق أكثر من إطلاق خلال اليوم الواحد من أكثر من موقع بالولايات المتحدة، وحددت بالفعل 50 عملية إطلاق خلال شهر فبراير 2017 و51 إطلاقا خلال مارس بمتوسط تكلفة 450 مليون دولار لعملية الإطلاق الواحدة.

وتعاقب على رئاسة ناسا 12 شخصية، آخرهم اللواء تشارلز فرانك بولدن، الذى رشحه الرئيس الأمريكى باراك أوباما، واعتمده مجلس الشيوخ وقد تولى مهامه فى 17 يوليو 2009 حتى الآن.

مركز كينيدى

يعد مركز كينيدى للفضاء أهم مقصد للسياحة الفضائية، ليس فى الولايات المتحدة فحسب بل فى العالم كله، ويستقبل ملايين السياح سنويا من كافة أنحاء العالم.

كما أنه الموقع الأول لناسا من حيث الأهمية من بين 20 مقرا ومنشأة تديرها الوكالة الفضائية بطول الولايات المتحدة وعرضها.

وفى مركز كينيدى، يسير العمل بالمختبرات البحثية فى قاعدة إطلاق الصواريخ الفضائية الأولى جنبا إلى جنب مع العمل بالمنشآت السياحية التابعة لنفس المركز.

جولة المصري اليوم في وكالة الفضاء ناسا

يفتح المركز أبوابه يوميا للجمهور من كافة أنحاء العالم من 9 صباحا إلى 7 مساء، ويتراوح سعر التذكرة من 40 إلى 140 دولارا، حسب سنك ورغباتك وتفضيلاتك. ويمكنك الحصول على دليل صوتى خاص يقودك خلال رحلتك مقابل 10 دولارات. ويتوفر الدليل بـ12 لغة مختلفة، ليس من بينها اللغة العربية. وبسؤال أحد القائمين على مركز زوار كينيدى عن السبب، أجاب: «لا نستقبل طلبات بتوفير أدلة صوتية باللغة العربية»، مشيرا إلى انه لا يتذكر متى كانت آخر مرة سأل فيها شخص ما عن دليل باللغة العربية.

يقع مركز كينيدى فى أقصى الجنوب الشرقى للولايات المتحدة، بالتحديد على الساحل الشرقى لولاية فلوريدا المطل على المحيط الأطلنطى، ويمتد على مسافة 144 ألف فدان ويضم 700 منشأة.

ويتقاسم مع قاعدة كاب كانافيرال للقوات الجوية الأمريكية، جزيرة ميريت المحاذية لساحل فلوريدا على الأطلنطى.

يبعد نحو 3 ساعات من مطار تامبا الدولى، إذا كنت قادما من رحلة دولية، ونحو الساعة من مطار ملبورن المخصص لاستقبال الرحلات الداخلية. الوسيلة الوحيدة للوصول إلى المركز هى سيارتك الخاصة فلا توجد وسائل نقل عام هنا، أنت فى فلوريدا حيث عدد السيارات الخاصة أكبر من البشر، يمكنك تأجير سيارة بسهولة من المطار أو استخدام خدمة «أوبر».

ويكتسب المركز شهرة واسعة فى الأوساط العلمية والسياحية المهتمة بالفضاء لأنه فضلا عن اضطلاعه بالعديد من المهام العلمية، يعد الموقع الرئيسى لناسا فى إطلاق الرحلات البشرية للفضاء منذ تأسيسه فى يوليو 1962 على يد الرئيس الأمريكى جون كينيدى.

انطلقت منه كل رحلات أبوللو لاستكشاف القمر، كما انطلقت منه رحلة أبوللو 11 التاريخية ورحلة الإنسان الأول إلى القمر عام 1969. ومن المقرر أن يشهد إطلاق الرحلة المأهولة الأولى للكوكب الأحمر بحلول 2025.

جولة المصري اليوم في وكالة الفضاء ناسا

وقد تحول المركز فى 2010 إلى أول ميناء فضائى تجارى، حيث يقوم بإرسال الأقمار الصناعية إلى مداراتها حول الأرض لحساب الشركات التجارية.

ويشمل المركز العديد من القاعات المخصصة لعرض المقتنيات الأصلية العائدة من الفضاء، والتى سبق أن شاركت فى مهمات بحثية خارج الأرض. كما يعرض العديد من عينات التربة والصخور التى أرسلت من جانب المستكشفين الآليين من المريخ والقمر.

يضم المركز إحدى نسخ مكوك الفضاء أتلانتيس بعد خروجه من الخدمة فى 2011، والذى سبق أن شارك فى العديد من المهمات خارج الأرض، ويعرضه من الداخل والخارج فى قاعة خاصة.

كما يضم العديد من المسارح وقاعات السينما ذات تقنية العرض ثلاثى الأبعاد (ثرى دى) لعرض مواد تسجيلية عن الفضاء.

وإلى الجولة:

«يحملنا الخيال دوما إلى عوالم غير موجودة، لكن بدونه لن نذهب إلى أى مكان».. كارل ساجان، أحد أشهر علماء الفلك وعلوم الفضاء.. غالبا ما ستكون هذه العبارة أول ما تسمعه عند البوابة الرئيسية لمركز كينيدى، فالسماعات الداخلية تعيد بث كلمات حية لكبار العلماء والزعماء حول البرنامج الفضائى الأمريكى، وبين الحين والآخر تبث مقطوعة موسيقية لبيتهوفن، ليتسرب إلى روحك ذاتها إحساس بالهدوء والسلام، ربما شعر به أول رائد فضاء.

أول ما سيقع عليه بصرك بالتأكيد بعد عبور البوابة الرئيسية سيكون مجسما لشعار ناسا حيث الكرة الزرقاء البيضاوية قريبة الشبه بكوكب الأرض. ولا يمر أحد من أمام هذا الشعار دون التصوير بطبيعة الحال.

وأمام البوابة الرئيسية ساعة رقمية ضخمة تسير بطريقة عكسية وتشير إلى الوقت المتبقى لعملية الإطلاق الفضائية المقبلة. الساعة تشير إلى عدد الأيام والساعات والدقائق والثوانى، وإذا كنت محظوظا سيكون يوم زيارتك اليوم الموعود لإطلاق أحد الصواريخ الفضائية، حيث يمكنك متابعة عملية الإطلاق بسهولة، وفى الغالب تكون هناك عملية إطلاق كل عدة أيام، ولذلك فاحتمال مشاهدتك لعملية الإطلاق يبدو كبيرا.

وبحلول مارس2017 من المتوقع أن تكون هناك عملية إطلاق كل يومين هنا، لكن المدة تطول أو تقصر حسب الأحوال الجوية وحسب جدول الرحلات الفضائية.

وبعد التقاط الصور أمام شعار ناسا الضخم، ستواجه نافورة كينيدى، التى بنيت تخليدا لذكرى الرئيس الأمريكى صاحب قرار إنشاء المركز، والذى مازال يحمل اسمه حتى اليوم.

والآن تنتظرك حافلة ناسا الفاخرة، التى ستنقلك إلى وجهتك التالية، وأحيانا تكون المحطة الأولى حديقة الصواريخ، كما ستحملك الحافلة إلى أقرب نقطة مسموح بها للجمهور لمواقع إطلاق المركبات الفضائية، كما ستتجول بك فى أنحاء ناسا وستشاهد المقر العملاق لمركز تجهيز الصواريخ، أو مبنى الـVAB، والذى يقوم بإعداد الصواريخ وتجهيزها قبل إطلاقها، ويعد هذا المبنى من أضخم المبانى فى الولايات المتحدة الأمريكية.

جولة المصري اليوم في وكالة الفضاء ناسا

مدة الرحلة بالحافلة تقدر بالساعتين تقريبا، ستتوقف خلالها بالقرب من أحد مبانى الزوار لتناول المرطبات ووجبة خفيفة. كما سيسمح للأطفال بالتجول فى بعض القاعات المخصصة لهم. ولذلك ينصح بأن تأخذ الجولة فى أول رحلتك للمركز حتى لا تستغرقك قاعات العرض الأخرى، فضلا عن أن آخر جولة تكون قبل الموعد المحدد لغلق البوابات أمام الجمهور بنحو ساعتين، وعادة ما تشهد زحاما يمكن أن يجعلك تنتظر أكثر من نصف ساعة لانتظار دورك.

طوال مدة الرحلة ستشاهد عددا من الأفلام التسجيلية بالشاشات المخصصة أمام مقعدك، كما ستستمع إلى شرح واف عن أهم المواقع والمنشآت من قائد الحافلة. وممنوع الترجل من الحافلة إلا فى مناطق محددة، فبعض المناطق محظور على الجمهور التواجد فيها إلا من خلال الحافلة المخصصة لهم.

ستشاهد منصات إطلاق الصواريخ الفضائية، كما ستشاهد عن كثب منصة الإطلاق الوحيدة المتحركة فى العالم، وإذا كنت سعيد الحظ كذلك ستشاهد تمساحا يشق طريقه إلى مستنقع قريب أو ثعلبا تائها، أو طائرا نادرا.

وتفخر ناسا بأن المنطقة المحيطة بالمركز مناطق محمية بنص القانون الأمريكى، تزخر بالعديد من أشكال الحياة البرية. ولذلك مرة أخرى لا يسمح بالترجل من الحافلة إلا فى مناطق محددة خلال الجولة.

حديقة الصواريخ

«ميركورى ريد ستون» والجوزاء وأبوللو هى أولى رحلات ناسا التى حملت إنسانا إلى الفضاء، وتحتفظ ناسا بهياكل مشابهة وبعض الهياكل الأصلية لتلك الصواريخ فى حديقة الصواريخ الوحيدة فى العالم والتى تقول ناسا إنها تحتفظ بها لتخليد ذكرى العلماء والمهندسين الذين حولوا الحلم الأمريكى بالسفر إلى الفضاء إلى حقيقة، بعدما استيقظ الأمريكان على خبر إطلاق الاتحاد السوفيتى أول مركبة فضائية فى أكتوبر1957، سبوتنيك 1، والتى عرفت فيما بعد بصدمة سبوتنيك.

جولة المصري اليوم في وكالة الفضاء ناسا

وغالبا ما تستغرق الجولة بالخطوة العادية فى حديقة الصواريخ نحو20 دقيقة، لكن إذا كان معك أطفال أو أحد كبار السن فربما استغرقت أكثر من ذلك.

منصة إطلاق الصواريخ المتحركة

جولة المصري اليوم في وكالة الفضاء ناسا

ربما توقفت حافلتك مرة أو مرتين أثناء الجولة بجوار مجنزرة عملاقة أشبه بديناصور آلى كما كنا نشاهدها فى المجلات المصورة القديمة. لا تقلق إنها مجنزرة ناسا الزاحفة التى دخلت الخدمة حديثا فى مارس 2016، وتستطيع أن تحمل منصة إطلاق للصواريخ وتعرف بمنصة إطلاق الصواريخ المتحركة وتمتلك منها ناسا قطعتين حتى الآن، وسرعتها تبلغ ميلا واحدا فى الساعة حيث تتحرك ببطء شديد نظرا لضخامتها وضخامة الأجسام التى تحملها.

مسارها محدد من داخل مبنى تجهيز الصواريخ إلى مواقع الإطلاق وحتى تتخيل حركتها فهى تتحرك على جنازير يمينا وشمالا مثل الدبابة وطولها بدون منصة إطلاق الصواريخ مثل 5 دبابات فوق بعضها ويمكن أن تشغل مساحتها نحو 15 دبابة متراصة على الأرض.

وقد قيل لنا إنها دخلت الخدمة لأغراض السفر إلى المريخ دون أى معلومات إضافية.

أثناء الجولة لفت نظرى مبنى ضخم بقبة أشبه بمفاعل ديمونة الإسرائيلى فتوجهت إلى قائد الحافلة لأسأله، ولو كنت أرى نفسى لجزمت أن عينى لمعت للحظة بالحماس وأنا أمنى نفسى بصيد صحفى ثمين، لكن تبخرت آمالى بعدما أجاب قائد الحافلة بعدم اهتمام: هذا مبنى أبحاث يعكف على تطوير بعض مكونات الصواريخ، وهو غير مدرج بالجولة لعدم أهميته للزوار! عدت إلى مقعدى خائب الأمل.

كنوز أبوللو.. يأتيك القمر إذا لم تستطع الذهاب إليه

تشير ناسا إلى أن مسؤوليها يستندون إلى عدد من المعايير لاختيار أسماء برامجها وصواريخها. وفى بعض الأحيان تستخدم ناسا أسماء وصفية مثل «سكاى لاب» أو «نيو هاريزون». كما تستخدم بعض الأسماء لتكريم العلماء والمستكشفين مثل جاليليو، وهابل. وفضلا عن هذا فإن اختيار الأسماء المستمدة من الأساطير الكلاسيكية عادة محببة لدى ناسا، فتم اختيار برنامج الجوزاء لأن رائدى فضاء كانا يضطلعان بمهامه فى كل مرة. أما أبوللو فهو إله الشمس بحسب الأساطير الإغريقية، والذى نشر المعرفة والنور فى الأرض.

ومن بين كل البرامج يأتى أبوللو الأكثر شهرة لنجاحه المدوى فى الهبوط بالبشر فوق سطح القمر والعودة بهم سالمين، أو الانفجار بهم كما حدث فى «أبوللو 1».

امتدت فترة عمل برنامج أبوللو من 1963 حتى 1972 وهدفت لإرسال البشر إلى القمر. وهبطت 6 رحلات لأبوللو على القمر بالفعل هى أبوللو11، 12، 14، 15، 16، و17. وعادت إلى الأرض بنحو 400 كيلوجرام من العينات القمرية، بعضها يعرض بالفعل فى تلك القاعة التى سُميت بكنوز أبوللو، من صخور مختلفة الشكل والحجم، وعينات للتربة ومعدات وأدوات استخدمها رواد الفضاء على القمر. صخرة واحدة فقط سوداء اللون ملساء يمكنك لمسها حتى تكون قد لمست القمر فعليا.

وتقول ناسا انها تحتفظ فى تلك القاعة بالمقتنيات الكاملة لرحلة «أبوللو 14» من أدوات خاصة برواد الفضاء وستراتهم الفضائية. كما تحتفظ ببعض مقتنيات رحلة أبوللو11 وسترة نيل أرمسترونج أول رائد فضاء يمشى على القمر.

«أبوللو 8».. ليلة الكريسماس على القمر

تأخذك الحافلة إلى غرفة التحكم الأصلية لرحلة أبوللو 8 أو ما تعرف برحلة «قضاء ليلة الكريسماس على القمر».

برجاء الجلوس فالرحلة ستنطلق فى غضون دقائق.. فاجأنا هذا الصوت بمجرد دخول القاعة، حيث تراصت مجموعة من الشاشات وألواح المفاتيح، يشير مظهرها إلى أنها عتيقة الطراز بجوار بعضها البعض فى مشهد يذكرك بغرف التحكم فى المفاعلات النووية كما كنا نراها صغارا فى الأفلام. جلسنا فى المقاعد الخلفية أمام تلك الشاشات الغابرة ننتظر انطلاق الرحلة.. فوجئنا بالشاشات تعج بالحركة وصوت يأتى من كل مكان بتساؤل

- أبوللو8.. هل تسمعنى؟

فأجابه صوت آخر يبدو عليه التوتر

- نعم أسمعك بوضوح.

- الانطلاق خلال دقيقة مستعد؟

- مستعد.

- وفقنا الله.

- وفقنا الله.

- وبدأ العد التنازلى 8..7..6..5..4..3..2..1..0 انطلاق.

صوت انفجار عظيم.. هذا انفجار حقيقى لا شك.. الأرض تهتز تحت أقدامنا بالفعل..المقاعد ترتج بعنف.. تسمع صوت تهشم زجاج بمكان ما.. أحدهم يطلق صرخة مكتومة.. بعض الأطفال يبدأون فى البكاء حتى يأتينا صوت عبر مكبر صوت متوتر، لا نتبين ماذا يقول بالضبط بسبب الضجيج المحيط.

الضجيج يخف تدريجيا.. فنتبين ماذا يقول أحدهم، حيث يعلن استقرار الصاروخ ونجاح عملية الإطلاق، تنهال على مسامعنا أصوات التهنئة وتعم الفرحة القاعة. بعد قليل يعلو صوت آخر:

- أبوللو 8 هل تسمعنى؟

- أسمعك بوضوح.

- لقد اجتزت لتوك الغلاف الجوى للأرض

- نعم أشعر بذلك.. تهانينا

- رحلة آمنة إلى القمر وكريسماس سعيد.. الاتصال القادم سيكون بعد..

هذه كانت معايشة حقيقية للحظات إطلاق رحلة أبوللو 8 التاريخية. علمنا بعد ذلك أن تلك التسجيلات التى سمعناها لتونا هى تسجيلات حقيقية تحتفظ بها ناسا لعملية الإطلاق، وتلك الشاشات ولوحات المفاتيح هى لغرفة التحكم الأصلية بعد خروجها من الخدمة.

فيما استمر عرض بعض الأفلام التسجيلية عن الرحلة، التى تقول ناسا إنها أول خطوة عملية مهدت لهبوط الإنسان على القمر بعد ذلك لأول مرة.

فى 21 ديسمبر 1968 انطلقت «أبولو 8» بواسطة الصاروخ «ساتورن 5»، حاملة 3 رواد فضاء. وبعد 4 أيام، دخلت «أبوللو 8» فى مدار حول القمر وأصبح الرواد الثلاثة؛ بورمان ولوفل واندرس، هم أول بشر على الإطلاق يحلقون حول القمر، وأول بشر يشاهدون الجانب المظلم من القمر، والذى لا يظهر أبدا من الأرض. وخلال الرحلة قام الرواد بالدوران 10 مرات حول القمر، لالتقاط الصور وتسجيل الملاحظات، والتى قيل إنها كانت السبب لاختيار موقع هبوط أول إنسان فوق سطح القمر بعد ذلك بـ6 أشهر.

جولة المصري اليوم في وكالة الفضاء ناسا

عادت «أبوللو 8» سالمة إلى الأرض حيث هبطت فوق سطح المحيط الهادى ويوصف نجاحها بأنه وراء فتح الباب أمام رحلات أبوللو المتعاقبة لهبوط الإنسان على القمر.

التقطت «أبوللو 8» الصورة الشهيرة لكوكب الأرض من مدار القمر والتى عرفت بشروق الأرض وهى تمثل إحدى إيقونات الفضاء قاطبة.

مغامرة السير على سطح المريخ.. حلم يتحقق

جولة المصري اليوم في وكالة الفضاء ناسا

نظرت إلى الخريطة، ما زالت هناك قاعة المريخ، وقاعة أتلانتيس، فضلا عن أفلام ناسا الخاصة التى تم تصويرها فى الفضاء والتى تعرض بشاشات IMAX العملاقة بتقنية الأبعاد الثلاثية (3 دى)، ومن المؤكد أن جميعها شيقة، وتعرض ضمن جدول محدد فلا يسمح بدخول العرض إلا فى بدايته وإذا لم تنظم جدولك لتشاهد أكبر قدر ممكن فأنت ضائع لا محالة.

وجدت أن أقرب قاعة لموقعى هى قاعة المريخ، فانطلقت بسرعة على أمل أن أستطيع أن أشاهد أكبر قدر ممكن من القاعات قبل موعد الإغلاق. وعليك أن تتقبل فكرة أنك لن تستطيع مشاهدة كل شىء، فبعض العروض تبدأ فى نفس التوقيت تقريبا، ولذلك أنصحك بشدة أن تأخذ نسخة من جدول العروض، وهى موجودة فى مركز الزوار، عند الحصول على تذكرتك من البوابة الأمامية، ومرة أخرى إذا لم تخطط ليومك بشكل جيد فأنت ضائع.

مرحبا بك فى المريخ.. أول ما تقع عليه عيناك بدخولك قاعة المريخ.. القاعة نفسها كلها باللون الأحمر الهادئ، مثل لون المريخ، وتقريبا كل شيء بها أحمر أو قريب من البرتقالى، حتى الأرضية، أما الأسقف فهى كالفضاء يغطيها السواد، لكن تتلألأ بها النجوم، وهى غير مسطحة، بشكل يعطيك إحساسا بأنك على المريخ بالفعل.

القاعة تضم العديد من العروض والأفلام والصور الحقيقية عن المريخ، والتى سبق أن أرسلها المستكشفون الآليون، فضلا عن بعض العينات الصخرية من الكوكب الأحمر، وبعض المركبات الآلية من طراز روفر، التى هبطت بالفعل على المريخ وسارت عليه وجمعت عينات وعادت سالمة إلى الأرض مع كنزها الثمين.

جولة المصري اليوم في وكالة الفضاء ناسا

بالقاعة عدد من الأفلام والصور والنماذج عن شكل الحياة التى تخطط لها ناسا على المريخ، والخطة تقضى بإرسال مركبات المؤن والملاجئ اللازمة للحياة البشرية لرواد الفضاء الأوائل خلال عام 2018، بينما من المقدر أن تصل أول المركبات المأهولة للمريخ خلال الفترة من 2025 إلى 2030.

وتؤكد الأفلام أن ناسا لديها خطط للتغلب على مشاكل المناخ وتوليد الأكسجين فضلا عن توفير المياه والغذاء اللازمان للحياة البشرية على الكوكب الأحمر القاحل.

وتوضح الأفلام التى يتم عرضها بكل أنحاء القاعة أن ناسا تدرس المريخ عبر المستكشفين الآليين منذ قرابة 40 عاما، وباتت لحظة هبوط الإنسان على باتت أقرب من أى وقت مضى.

ولناسا خطة لاستكشاف كويكب أقرب للأرض من المريخ، وأبعد من القمر، حيث من المقرر أن ترسل المركبة الفضائية أوريون المأهولة لاستكشاف الكويكب بحلول 2020 لتصبح أبعد نقطة فضائية يصل إليها البشر، لتعود إلى الأرض بعد ذلك مع العينات. وستكون رحلة تجريبية لقياس مدى قدرة الوكالة بشكل عملى على إرسال بشر إلى المريخ.

وتؤكد الأفلام المعروضة أن ناسا لديها أسطول من المركبات الفضائية الروبوتية روفر على سطح المريخ وحوله، لدراسة كل المتغيرات على الكوكب الأحمر، لتمهيد الطريق أمام البشر لغزو الكوكب فى المستقبل، حيث تتلقى ناسا الآف البيانات والمعلومات من المريخ، والتى يقوم بدراستها وتحليلها فريق ناسا المكلف بمتابعة المريخ، وذلك لتسهيل مهمة رواد الفضاء المقبلة وحماية حياتهم على سطح المريخ.

جولة المصري اليوم في وكالة الفضاء ناسا

وداخل القاعة جهاز محاكاة يتسع لحوالى 4 أشخاص، يقوده رائد فضاء سابق، فاجأنا بقوله: «هيا بنا إلى المريخ». ارتدينا الأقنعة، وهى عبارة عن نظارات خاصة متصلة بسماعات وأسلاك معدنية بجهاز المحاكاة لتبدأ المغامرة.

لا شك أنك ستندهش لما ستراه. إنه المريخ بالفعل، التربة حمراء صخرية، وأنت تسير بسترتك الفضائية، وحولك رفاقك وأمامك رائد الفضاء. فاجأنا صوت رائد الفضاء الذى كان أمامنا منذ قليل فى جهاز المحاكاة، وهو يقول: «من فضلكم التزموا بالتعليمات هنا، أنتم معرضون لخطر الضياع على المريخ، ولا يوجد شيء حولكم كما ترون، واحذروا لخطواتكم، فالجاذبية هنا ضعيفة، وأى حركة اعتدتم عليها فى الأرض تكون مختلفة».

الأمر يشبه ألعاب الفيديو جيم عندما تضبط خصائصها على الحركة بسرعة شديدة بالفعل، فالخطوة البسيطة تكون خطوة كبيرة هنا.

النظارات التى نرتديها تسمح لنا بمجال رؤية 360 درجة، حيث يمكننا مشاهدة ما أمامنا وخلفنا وعن يميننا وشمالنا، فضلا عن إمكانية توجيه زاوية الرؤية إلى أعلى أو إلى أسفل. سرنا خلف دليلنا الفضائى ونحن مبهورون، فنحن على الكوكب الأحمر، وها هى أقدامنا تسير على صخوره، بين الحين والآخر يقف أحدهم ليتأمل قليلا، فيحذره رائد الفضاء من التخلف عن القافلة.

المشكلة أننا لا نتحكم فى أيدينا أو أقدامنا، وإنما نتحكم فقط فى زاوية الرؤية الخاصة بنا. لقد شاهدت أحدهم قبل العرض الخاص بى وهو يجرب الانحناء ليلتقط شيئا بيده من الأرض فى العالم الافتراضى على المريخ، بينما هو جالس على مقعده هنا.

شرح لنا رائد الفضاء تقنية جهاز المحاكاة، حيث يعتمد على الخرائط والصور والأفلام التى تم تسجيلها بالفعل من الكوكب الأحمر. وقال: «خرائط جوجل توفر لكم إمكانية السير فى شوارع نيويورك مثلا، وأنت جالس على مقعدك أمام جهاز الكمبيوتر الخاص بك على الجانب الآخر من الكرة الأرضية. وجهاز المحاكاة هذا أشبه بهذه الخاصية، حيث ما ترونه الآن موجود بالفعل على المريخ بنفس التفاصيل، وبالفعل قامت ناسا بتغطية مواقع كاملة على المريخ، لكن لم نغط كافة أنحاء الكوكب الأحمر بعد، وهذه الجبال الموجود فى الأفق هى جبال صخرية موجود على المريخ بالفعل، خلفها تقع صحراء قاحلة، لو كانت لدينا السيارة المريخية لكان من الممكن أن نذهب لإلقاء نظرة».

اصطحبنا إلى الملجأ الفضائى على المريخ، وقال: «الجولة انتهت، من فضلكم سجلوا أسماءكم فى دفتر زوار المريخ هنا، وأخبروا عائلتكم وأصدقاءكم أنكم شاهدتم جزءا من المريخ بالفعل».

وكانت هذه هى التجربة الأهم فى قاعة المريخ.

هيوستن.. لقد هبط النسر

هناك ما يقرب من 5 عروض بدور عرض مختلفة تتراوح مدة كل عرض ما بين 10 دقائق إلى نصف ساعة، تعرض وفق جدول محدد وغير مسموح بدخول القاعة أثناء العرض لكن يمكنك مغادرة القاعة أثناء العرض.

لم أستطع مشاهدة كل العروض لضيق الوقت وبشكل عام يوم واحد لا يكفى لمشاهدة كل شيء هنا فى مركز كينيدى الفضائى، لكن أغلب العروض عن المشاهد الحقيقية لما سجلته كاميرات ناسا فى الفضاء، فلناسا مئات الساعات التى تم تسجيلها خلال الرحلات الفضائية المختلفة وآلاف الصور.

أحد العروض بقاعة Lunar عرض مشاهد حقيقية من كاميرات ناسا لعملية إطلاق أبوللو11 التاريخية، والمشاهد الأولى للقمر وأولى خطوات نيل أرمسترونج على القمر وكان عرضا مذهلا بحق الشاشات العملاقة وتقنية الأبعاد الثلاثية مع الاستعانة بمجسمات حقيقية على المسرح تجعلك تشعر أنك بالفعل تغوص فى أعماق الفضاء. والمؤثرات الصوتية ليست أقل من رهيبة، فالصوت ينفذ إلى روحك بالفعل والمقطوعات الموسيقية المصاحبة تم اختيارها بعناية. ببساطة العرض مثالى، لم يزعجنى شيء إلا أن هناك عروضا أخرى ربما تفوتنى إذا لم أكن بالقاعة الأخرى فى الموعد المحدد.

يبدأ العرض بالعودة إلى اليوم التاريخى فى يوليو 1969 حيث حبس العالم أنفاسه وهو يتابع رحلة البشر الأولى للقمر، مع عرض المشاهد الحقيقية لغرفة التحكم والمتابعة الأرضية فى هيوستن حيث صمت الجميع فى انتظار تأكيد الهبوط بسلام على القمر.

وبمجرد انطلاق صوت قائد رحلة «أبوللو 11» فى المكبرات الصوتية بغرفة التحكم: «لقد هبط النسر».. حتى انفجر الجميع بالهتاف والضحك وتحية بعضهم البعض كما نقل العرض مشاهد الاحتفال فى نيويورك وعدد من العواصم العالمية.

وأشار العرض إلى كلمة الرئيس جون كيندى التى أعلن فيها أمام الكونجرس نية الولايات المتحدة الأمريكية إرسال بشر إلى القمر وإعادتهم سالمين. وشمل العرض كذلك تسجيلا مصورا مع رواد الفضاء الذين شاركوا فى رحلة أبوللو 11 وخبراتهم الأولى على القمر.

17 شهيدا فى الفضاء.. سنتذكر للأبد

تحتفظ ناسا بمتعلقات 17 رائد فضاء لقوا حتفهم أثناء رحلتى مكوك الفضاء تشالنجر وكولومبيا، بالإضافة إلى الرحلة الأولى لـ (أبوللو1)، بقاعة «سنتذكر للأبد» حيث تحتفظ ببعض حطام المركبات الفضائية مع عرض لصور وأفلام عن بعض رواد الفضاء أثناء تدريبهم قبل رحلاتهم المأساوية، مع إلقاء الضوء على نتائج التحقيق فى تلك الكوارث بعد ذلك وتحديد المسؤولية لمنع تكرارها فى المستقبل. وتشير ناسا إلى أن الإنسانية فقدت 17 رائد فضاء لكى تتعلم الإنسانية كيف تشق طريقها إلى الفضاء.

- فى 21 فبراير 1967 كانت «أبوللو1» أول رحلة مأهولة للقمر فى برنامج الولايات المتحدة الأمريكية لإرسال البشر إلى القمر. وخلال عملية الإطلاق شب حريق فى المقصورة الأمامية مما تسبب فى انفجار الصاروخ ومصرع رواد الفضاء الثلاثة.

وقد تم تعليق رحلات أبوللو المأهولة لمدة 20 شهرا بعد الحادث، حتى تم استئنافه باحتياطات أمان أكبر. وتعرض القاعة مشاهد حقيقية من جلسات الاستماع لمدير ناسا أمام الكونجرس يفند فيها أسباب الحادث والمشاكل التقنية التى تسببت فيه، وإمكانية تلافى الحادث فى المستقبل.

- وقعت كارثة مكوك الفضاء تشالنجر فى 28 يناير 1986 بعد انفجار الصاروخ بعد 73 ثانية من الإقلاع بسبب خلل فنى، مما أدى إلى مقتل جميع أفراد الطاقم السبعة. وقد استخرجت ناسا بعض حطام المكوك من أعماق المحيط الأطلنطى قبالة ساحل كاب كانافيرال.

- دخل مكوك الفضاء كولومبيا الخدمة فى 12 إبريل 1981، وأنجز 27 مهمة فى 22 عاما، قبل أن يتحطم أثناء دخوله الغلاف الجوى بالقرب من نهاية مهمته الـ28 فى 1 فبراير 2003، مما أدى إلى مقتل جميع أفراد الطاقم السبعة.

لم يتبق الكثير من الوقت وما زال أمامى 3 قاعات هامة وهى محطة الفضاء الدولية ومكوك الفضاء أتلانتيس وقاعة تدريب رواد الفضاء. غادرت القاعة وقد عقدت العزم أن أشاهد الثلاث قاعات حتى لو تطلب الأمر الاتصال برئيس الولايات المتحدة الأمريكية!

الغداء مع رائد فضاء.. ألفريد ووردين لـ«المصرى اليوم»:

ما زلنا نحبو فى الفضاء.. وخبرتى 38 دقيقة

رائد الفضاء ألفريد ووردين شاباً

بعد انتهاء جولة الحافلة يكون موعد الغداء قد حل، فتنتهى الجولة فى مركز الزوار الذى يعج بالمطاعم والكافيتريات الفاخرة، ولا تتعجب إذا وجدت أحدهم يبتسم فى وجهك ويسألك بلطف: هل يمكننى مشاركة طاولتك؟

أجبت: بالطبع.

المفاجأة أنه كان أحد رواد فضاء ناسا السابقين، الذين يحرصون على مشاركة خبراتهم مع جمهور مركز جون كينيدى لتوضيح كل ما يتعلق بأمور الفضاء والقيام بدور المرشد فى حال احتجت إلى إرشاد أو معلومة من هنا أو هناك.

وقد تهللت أساريره عندما علم أننى صحفى من مصر، وسألنى عن الأحوال فى مصر بعد ثورتين؟

أجبته بابتسامة هادئة، وسألته عما إذا كان من الممكن إجراء حوار معه. فأجاب: بالطبع. وكان لنا هذا الحوار..

■ أرى أن اسمك ألفريد ووردين، كما هو واضح من خلال بطاقة التعريف التى ترتديها فما كان موقعك فى ناسا؟

- قمت بقيادة تجريبية لرحلة «أبوللو 15»، وقضيت 9 سنوات فى العمل ضمن برنامج أبوللو كرائد فضاء.

■ قاطعته.. هل سافرت إلى الفضاء؟

- (أجاب ضاحكا) نعم سافرت إلى الفضاء، لكننى لم أهبط على القمر، يؤسفنى أن أخيب أملك، وقمت بالقيادة التجريبية لـ«أبوللو 15»، وسجلت 38 دقيقة فى الفضاء ضمن مهمات أبوللو.

■ كم كان عمرك وقتها؟

- أنا من مواليد 7 فبراير 1932، وأول رحلة للفضاء لى وأنا عمرى 39 عاما وبضعة شهور.

■ نظرت له بذهول!

- (ضحك وتابع) نعم أنا رجل كبير، فعمرى الآن 84 عاما وبضعة شهور، لكننى ما زلت أتذكر كل حركة لى فى الفضاء بالقرب من القمر، وكل خبرة اكتسبتها من السفر إلى الفضاء، وعندما أنظر كل ليلة إلى القمر أشعر بسعادة غامرة أننى كنت هناك يوما ما. ودعنى أؤكد لك، لقد تركت جزءا منى فوق القمر بالفعل بالرغم من أننى لم أمش فوقه، مثل رواد الفضاء الآخرين سعداء الحظ الـ12 الذين مشوا فوقه، فما زلت أشعر بالشغف عما اكتشفناه، وما يمكن أن نكتشفه ونصنعه فوق القمر، وفى كافة أنحاء الفضاء. ولولا ظروف سنى لاشتركت فى أحد البرامج الخاصة بالسفر للفضاء، لكننى أشعر بسعادة كبيرة عندما أتحدث عن خبراتى لشباب يأتون من كل أنحاء العالم مثلك والحماس يملأ عيونهم.

■ ماذا كانت طبيعة مهمة «أبوللو 15»؟

- كانت «أبوللو 15» المركبة الفضائية الرابعة المأهولة التى هبطت على سطح القمر، والأولى لزيارة واستكشاف جبال هادلى ريللى، وهى سلسلة جبال تقع على الطرف الجنوبى الشرقى للقمر، وتم خلالها استخدام المركبة القمرية للمرة الأولى أو ما يعرف بسيارة القمر، كما كانت أول مرة نستخدم فيها جهاز الملاحة على سطح القمر لتحديد المواقع، وهو أشبه بجهاز الرادار أو الجى بى إس الحالى.

■ صف لى شعورك أثناء سباحتك فى الفضاء؟

- حسنا، كل المدة التى سجلتها فى الفضاء كانت 38 دقيقة بالحسابات الأرضية، وقمت باسترداد بعض الأفلام من الكاميرات ورسم بعض الخرائط، وأول مرة أقف بمواجهة القمر وحيدا انتابنى توتر هائل رغم التدريب الطويل على الثبات الانفعالى والنفسى، لكن التجربة كانت مختلفة. لك أن تتخيل أنك والقمر وجها لوجه، ذلك القمر الذى ظللت طوال عمرك تنظر إليه من الأرض.. وها أنت وحدك مع اثنين من زملائك، وكل أصدقائك وعائلتك وحياتك التى تعرفها تبعد عنك مئات الآلاف من الكيلومترات، وها أنا أنظر إلى الأرض كما تنظر أنت إلى القمر. وبعد أول 5 دقائق واسترداد رباطة جأشى بدأت أعتاد الأمر وأستمتع بالسباحة الفضائية.

■ هل شعرت بالخوف؟

- الخوف شعور غريزى لكن تستطيع القول إننى كنت متوترا فى البداية.

■ كيف أصبحت رائد فضاء؟ وهل كان لديك شغف بالفضاء؟

- الحقيقة أننى كنت أحلم أن أكون طيارا فحسب، وكان لدى اهتمامات بالطيران منذ كنت صغيرا، وعندما بلغت سن الشباب اكتشفت أننى لا أملك شغفا تجاه شىء مثلما أشعر تجاه الطيران، لكن السفر إلى القمر أشبه بنشوة ممتدة لا أستطيع أن أصفها بشغف.

أنا من مواليد مدينة جاكسون، بولاية ميتشجان، وأكملت هناك دراستى الأساسية، ثم التحقت بالأكاديمية العسكرية الأمريكية فى وست بوينت بنيويورك، وتخرجت منها فى 1955، وكلفت بعدها بالعمل كطيار ضمن سلاح الجو الأمريكى، وحصلت على الماجيستير فى علوم الملاحة الفضائية وهندسة الطيران وهندسة الأجهزة من جامعة ميتشجان فى 1963، لأشغل بعدها منصب أستاذ فى مدرسة أبحاث الفضاء، ثم التحقت للعمل بناسا فى إبريل 1966 ضمن 19 رائد فضاء للعمل ضمن برنامج أبوللو، وشغلت منصب عضو فى طاقم الدعم لرحلة «أبوللو 9» حتى شاركت فى رحلة «أبوللو 15».

■ هل تشعر بالرضا؟

- أشعر بكامل الرضا، أتمنى فقط لو استطعت المساهمة بشكل أكبر لرؤية العوالم الجديدة التى سنكتشفها والعوالم الجديدة التى سيتمكن الإنسان من استعمارها.

■ آخر سؤال.. هل تعتقد بوجود كائنات عاقلة أخرى فى الفضاء؟

رائد الفضاء ألفريد ووردين

- (مبتسما) عندما تسافر إلى الفضاء، ستختلف رؤيتك إلى العالم، بل رؤيتك لذاتك كذلك. أنا لا أعلم هل توجد حضارات أو كائنات أخرى فى مكان ما فى الفضاء أم لا، ليس عندى معلومة على وجه اليقين هنا، لكننى أؤكد لك أن هذا لا يعنى أنه لا توجد حياة بشكل يقينى أيضا، فنحن ما زلنا نحبو فى الفضاء، وهناك أشكال من الحياة موجودة فى أعماق المحيطات لا نعلم عنها شيئا بعد، فما بالك بالحياة الموجودة فى أحد كواكب الفضاء السحيق التى تبعد عنا ملايين السنين الضوئية.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى صدام دستورى في البرلمان بسبب "تيران وصنافير"