أخبار عاجلة

أرشيف مصر القضائى فى « البدروم»

أرشيف مصر القضائى فى « البدروم»
أرشيف مصر القضائى فى « البدروم»

ظل «سيد» يبحث لعدة أيام عن قضيته بين أكوام الملفات والقضايا المتراكمة فى ممرات غرف حفظ النقض المدنى بـ«دار القضاء العالى» دون جدوى، حيث فُقد ملف القضية المتعلقة بنزاع على قطعة أرض فى منطقة العجوزة منذ أواخر التسعينيات فى ظروف غير معروفة، ما أدى إلى وقف إجراءات النقض على الحكم ليصبح نهائيًا، بعد تداول القضية لأكثر من 15 عامًا، ورغم وجود درجة تقاضى أخيرة فى النقض.

لم يقتصر ضياع القضايا فى الحفظ على حالة «سيد» فقط، إذ تكرر الأمر مع محمود حسن، خريج كلية الشريعة والقانون الذى تم استبعاده من التعيين فى النيابة الإدارية وقبول من هم أقل منه فى التقدير، ما دفعه للطعن على القرار فى مجلس الدولة عام 2007، قبل أن يختفى ملف القضية فى ظروف غير معروفة، لتبدأ رحلة البحث عنه، والتى استمرت أكثر من عام، ليتمكن من العثور على الملف المفقود، عن طريق سكرتير المحكمة.

«المصرى اليوم»، رصدت حال غرف الحفظ بالمحاكم بين الإهمال والروتين للدرجة التى تهدد آلاف القضايا بفقدان أصولها، وضياع أرشيف مصر القضائى.

تبدأ القصة بين غرف الحفظ بالمحاكم، أو ما يعرف بـ«أقلام الحفظ» التى من المفترض أن تضم أرشيف مصر القضائى. وهى إدارة من إدارات المحكمة المنوط بها حفظ كافة القضايا التى تم الفصل فيها بأحكام نهائية أو أحكام مازالت متداولة ولكن الخصوم لم تتابع سير الدعوى، أو القضايا التى حكم فيها بأحكام غيابية.

تكمُن أهمية الحفظ بأنها أصل لكل الأحكام التى بت فيها فى السنوات الماضية، فضلا عن أصل الوثائق والصور الخاصة بالقضايا، الأمر الذى يصفها معه الفقيه الدستورى الدكتور شوقى السيد بأنها «أرشيف تاريخ المحاكم المصرية».

ويقول المحامى بمجلس الدولة سيد أحمد، إن غرف الحفظ بالإضافة إلى كونها تمثل «قاعدة بيانات القضايا» تمثل أهمية كبيرة للمتقاضين، إذ يرجع إليها مرة أخرى إذا حصل أحدهم على حكم طرد من شقته وعاد الخصم مرة أخرى، عندئذ يرجع الطرف الأول إلى الحفظ لإثبات حقه، وقد تُبنى قضية جديدة على أحكام قضايا قديمة، والحفظ مهم لإدارة التفتيش القضائى بالمحكمة المنوط بها مراجعة القضايا وأحكام القضاة بها.

من داخل مبنى دار القضاء العالى العريق الذى يرجع تاريخ إنشائه إلى عام 1913، بدأنا رحلة استكشاف غرف الحفظ بالمحاكم المصرية، ويتكون المبنى التاريخى من ثلاثة طوابق، بين قاعات المحاكم والمكاتب الإدارية وغرف المستشارين التى لم تكن غرف الحفظ من بينها، وبسؤال أحد الموظفين عن «غرفة الحفظ» بالمحكمة قال إن أغلب غرف الحفظ فى بدروم المبنى ويوجد بعض الغرف فى الدور الثالث.

درجات سلم ضيقة متهالكة تقودك إلى غرف الحفظ، لتجد أول ما يستقبلك على السلالم أكواما من حزم الملفات والقضايا الملقاة على الأرض ترتفع حتى سقف الغرفة، ويتباين المشهد بين مدخل المبنى العريق والدور السفلى الذى يتضمن أرشيف القضايا، من القاعات الواسعة والمكاتب الفخمة إلى غرف الحفظ التى يغطى التراب جدرانها، رغم اشتعال المكان بالحركة، بين الموظفين والمحامين الباحثين عن قضايا موكليهم فى الأرشيف.

دار القضاء، من المحاكم القليلة التى تحتوى على نظام الميكروفيلم لتوثيق القضايا، وأجهزة الكمبيوتر لحفظ بياناتها، لكن هذه البيانات تقتصر فقط على حفظ أرقام القضايا والأحكام الصادرة فيها، ورغم وجود نظام الميكروفيلم، إلا أن بعض المحامين أكدوا أنه غير مجدٍ بشكل كامل لأنه يتيح الحصول على نسخ ضوئية من القضايا، لكن أصل المستندات نفسها لا يوجد إلا فى غرف الحفظ، ما يعرض بعض القضايا لفقدان أوراق هامة بين درجات التقاضى المختلفة، بحسب المحامى سيد أحمد.

إجراءات استخراج قضية من قلم الحفظ بـ«دار القضاء العالى» يتطلب مجموعة من الإجراءات، ويلخصها المحامى أحمد السعيد، فى تأشيرة بالموافقة من رئيس المحكمة، فى حالة رغبة المحامى فى الحصول على أصل مستندات القضايا التى يتولاها، ثم استخراج شهادة بصدور حكم نهائى فى القضية، وبعدها الانتقال لقسم الحفظ للحصول على أصل المستندات، أما تصوير ملف القضية فيتم من خلال تقديم طلب والانتقال إلى غرفة نسخ وتصوير القضايا للحصول على النسخة المطلوبة مقابل 50 جنيها للقضايا التى تتضمن أقل من 50 ورقة، و100 جنيه للقضايا التى تتخطى الـ50 ورقة.

انتقلنا إلى غرفة نسخ قضايا الجنايات فى دار القضاء، فى نفس طابق الحفظ بـ«البدروم»، فاستقبلنا مكتب متهالك ومكتظ بدفاتر تتضمن أرقام القضايا وطلبات نسخ القضايا وبينهم موظف لا تكاد تراه من زحام الملفات وتجمهر المحامين طالبى نسخ القضايا المحيطين به.

من دار القضاء العالى إلى مجلس الدولة الذى يعتبر عمود القضاء الإدارى بمصر، ولفت موظف الاستقبال إلى أن جميع القضايا تظل فى غرف الاستقبال 60 يومًا وتنتقل بعدها إلى غرف للحفظ فى ثلاثة أماكن خارج المجلس، حفظ الإدارية العليا، وحفظ القضاء الإدارى، وحفظ المحاكم الإدارية.

وفى إدارة حفظ المحاكم الإدارية، على بعد شارعين من مقر مجلس الدولة، والذى كان عبارة عن فيلا قديمة مكونة من طابقين تطل على الشارع، وجدنا السلالم متهالكة للغاية والغرف قديمة رغم أن الملفات كانت مرتبة، أما محكمة شمال الجيزة الابتدائية بشارع السودان، فتتضمن 12 قاعة للجلسات تستقبل آلاف الأشخاص يوميًا بين مواطنين وأصحاب قضايا ومحامين، تعرضت عام 2015 لتفجير أدى إلى تهشيم واجهات المبنى، ورغم ذلك فإن المحكمة مازالت تفتقر للتأمين الكافى.

عقب التفجير تم نقل بعض غرف الحفظ من البدروم إلى الأدوار العلوية وهذه الغرف يجلس الموظف بمكتب على بابها ولا يدخلها غيره، لكن جانب من غرف الحفظ ما زال موجودًا فى البدروم، حيث لا يختلف المشهد كثيرًا عن غرف حفظ دار القضاء العالى.

وفى محكمة تاج الدول بإمبابة، تحفظ ملفات القضايا فى الجزء الخلفى، حيث يوجد مبنيان متهالكان تابعان للمحكمة، ولسبب غير معلوم تحتفظ المحكمة بملفات القضايا فى البدروم داخل دواليب متجاورة فى الممر الرئيسى، فيما لاحظنا وجود ملفات أخرى خارج الدواليب وفوقها، إلى جانب ملفات قديمة ملقاة على الأرضيات.

واختلف الوضع فى محكمة شبرا الخيمة التى تحتل غرف الحفظ طابقها السادس فى إهمال واضح خارج دواليب الحفظ، لكن بدروم المحكمة كان له استخدام آخر، إذ تحفظ فيه ملفات قضايا محكمة استئناف القاهرة، لعدم وجود مكان مناسب لحفظها فى دار القضاء العالى التى تضم المحكمة.

دخلنا إحدى الغرف فاستقبلتنا رائحة كريهة صادرة عن مواسير الصرف الصحى التى تمر بالغرفة تاركة أثرها على الحوائط بفعل الرطوبة التى انعكست على الأوراق والملفات المخزنة داخلها.

ولفت انتباهنا وجود جهاز إنذار ضد الحريق فى سقف الغرفة؛ فسألنا موظف الحفظ عنه ليفاجئنا بأنه لا يعمل مثل بقية أجهزة الحريق فى غرف الحفظ بالمحكمة، مشيرًا إلى سيجارة يدخنها داخل المكتب المكتظ بملفات وأوراق القضايا، دون أن تستثير أدخنتها مستشعر جهاز الإنذار.

ويقول عبد الله (اسم مستعار) مسؤول غرفة الحفظ فى إحدى المحاكم، إنه يعمل فى موقعه منذ ثلاث سنوات، ويصف نفسه وزملاءه العاملين بأرشيف المحكمة بـ«المنسيون تحت الأرض»، مشيرًا إلى أن أكبر آمالهم بات إضاءة جيدة حتى يستطيعوا العمل على تصنيف ومراجعة أرقام القضايا وبياناتها داخل مكاتبهم معدومة الإضاءة والتهوية، على حد قوله.

ويشير موظف الحفظ إلى تعرض موظفى غرف الحفظ للإصابة بضعف النظر والأمراض الصدرية، نتيجة ظروف العمل غير الملائمة فى غرف ضعيفة التهوية والإضاءة ومليئة بالأتربة والغبار تحت الأرض.

وأوضح أن عدد القضايا المهول بالإضافة إلى عدم وجود أماكن كافية وملائمة للحفظ أكبر المعوقات التى تقابلهم، مشيرًا إلى أنه لهذا السبب يتم التخلص من ملفات القضايا بعد فترة تتراوح بين 5 و15 سنة، عن طريق «دشتها»، فى إشارة إلى الإجراء المتبع للتخلص من الملفات توفيرًا للمساحة.

إعدام ملفات القضايا فى ظل غياب نظام توثيق إلكترونى للقضايا يؤدى إلى نتيجة واحدة، اختفاء أثر أحكام وقضايا تخص أطرافًا مختلفة، قد يحتاج أى منهم العودة إليها أو استعادة مستندات أصلية من ضمن أوراقها، مثل محمود مصطفى، الذى فوجئ بعد تعيينه كحارس أمن فى أحد البنوك الحكومية بظهور حكم مسجل على والده فى قضية جنائية بسبب تشابه فى الأسماء.

رحلة بحث مصطفى عن ملف القضية الأصلى لإثبات براءة والده وإنقاذ وظيفته انتهت إلى مفاجأة غير سارة، إذ اكتشف أن القضية التى تعود إلى عام 1982 وتحمل رقم 534 لم تعد موجودة فى السجلات الرسمية بعد التخلص من ملفها، نظرًا لمرور أكثر من 30 عامًا عليها، ليختفى أى أثر لها بخلاف المعلومات المتعلقة بالحكم والمسجلة على قاعدة بيانات وزارة الداخلية.

لم يتمكن موظف الأمن الموقوف عن العمل إلا من الحصول على ورقة من نيابة السيدة زينب التى تتبعها القضية، تحمل عبارة واحدة: «لا توجد دفاتر لهذا العام حيث تم الدشت لانقضاء المدة القانونية للحفظ»، ولكن البنك لم يعتد بهذه الورقة وخسر الشاب وظيفته.

أما عن رأى المحامين المتعاملين يوميًا مع غرف الحفظ، فيقول أحمد سعيد، المحامى بدار القضاء، إن مشكلته مع الحفظ هى إجراءات الحفظ نفسها، وأنه قابل مشكلة مع الحفظ فى الأسابيع الماضية، حيث إنه كان من المفترض أن يحدد جلسة لقضيته يوم 15 فبراير الماضى، لكن لم يجد القضية فى قائمة القضايا المنظورة فى هذا التاريخ، وتأجلت الجلسة مرتين، وتبين أن القضية لم تخرج من الحفظ إلى قاضى الجلسة، حيث إنها قضية إيصال أمانة وكان آخر إجراء متعلق بها فى عام 2015.

وأشار سعيد إلى أنه اكتشف أن القضية ضائعة بين الأوراق فى غرفة الحفظ بالمحكمة، ليقضى يومًا كاملاً فى البحث عنها، وأضاف أن قاضى الجلسة كان متفهما للأمر وطلب منه أن يقدم شكوى فى قلم الحفظ لإثبات الواقعة ولحفظ موقف موكله القانونى.

وتقول أمانى فاروق، محامية متخصصة فى قضايا الأحوال الشخصية، إنها تواجه مشكلة حقيقية فى غرف الحفظ، خاصة فى المحاكم الجزئية التى تشهد مئات القضايا يوميًا، والتى قد تصل فى بعض الأحيان إلى 400 قضية فى الجلسة الواحدة، لافتة إلى أن قلم حفظ محكمة شمال القاهرة فى العباسية ظل مغلقًا لأكثر من سنة بسبب تسلل الثعابين إلى غرف حفظ القضايا.

وبخصوص مصير القضايا التى تتلف أو تتعرض للحرق، يقول محامى الأحوال الشخصية هيثم حمد الله، إنه فى حالة ضياع قضية يتم تقديم طلب بشكوى ثم يتم تشكيل لجنة للبحث فى الأمر وعدم ضياع حق المواطن، وأن اللجنة تنظر فى أوراق القضايا والصالح منها يبقى والباقى يتم إعدامه.

وأشار إلى أنه فور انتهاء القضية والحكم فيها، يطلب صاحب الدعوة أو محاميه سحب كافة أصول المستندات المقدمة فى القضية.

وقال إنه من الأفضل أن يتم تخصيص مبان مستقلة فى كل محافظة أو مجمع محاكم خاص بأقلام الحفظ بالمحاكم، وأن تكون مزودة بأجهزة كمبيوتر ليتم حفظ نسخة إلكترونية من الملفات عليها.

من جانبه، أكد المستشار عزت عمران، عضو مجلس القضاء الأعلى السابق، أنه فى حالة ضياع أصل مستندات القضايا أو تلفها لا يوجد بديل لها، مشيرًا إلى أن معظم أصحاب القضايا يقدمون طلبات للحصول على أصل المستندات بمجرد انتهاء إجراءات التقاضى، وأن أجهزة الكمبيوتر تسجل أرقام القضايا وما صدر فيها من أحكام فقط.

وطالب الفقيه الدستورى الدكتور شوقى السيد، مسؤولى وزارة العدل بزيارة أقلام الحفظ فى المحاكم، لأن الإهمال لا يقتصر على القضايا المنتهى تداولها، لكن يمتد إلى قضايا منظورة أمام المحاكم.

ووصف حال غرف الحفظ فى المحاكم المصرية بـ«المأساة»، وأن معظم محاكم الدول العربية تحولت إلى نظام الحفظ الإلكترونى، فى الوقت الذى تعتمد فيه المحاكم المصرية على نظام حفظ بدائى.

وتساءل عن مصير قضايا هامة وحساسة مثل قضايا الإرهاب، مشيرًا إلى أن عدم حفظ ملفات القضايا يهدد أرشيف مصر القضائى الذى وصفه بـ«العريق».

وقالت مصادر مسؤولة بمحكمتى مدينة نصر ومصر الجديدة الجزئية التى تضم محاكم جنح أول وثانى مدينة نصر والزيتون ومصر الجديدة والنزهة والأسرة ومكتب تسوية المنازعات وعددا من النيابات الجزئية، إن السبب الرئيسى فى تواجد دولايب حفظ ملفات القضايا فى الطرقات، ضيق غرف السكرتير، التى لا تسع سوى المكتب والكرسى الذى يجلس عليه سكرتير الجلسة.

ومن خلال رصد مبنى محكمة مدينة نصر، تبين أن الطابق الأول به 2 أسانسير، أحدهما معطل والثانى يعمل وسعته لا تزيد على 4 أشخاص، وفى نفس الدور قاعتا محكمة لنظر قضايا الجنح الخاصة بمدينة نصر والزيتون.

وفى الطابق الثالث تقع غرف سكرتير جلسات مدينة نصر أول وثان، التى تضم 3 مكاتب، بينما تقع دولايب القضايا المتداولة فى طرقات الدور، إضافة إلى وجود حجرة بها عدد من الدولايب، وعدد من الأجولة بها قضايا صادر بشأنها قرارات بحفظها و«دشتها».

وبالنسبة للطابق الرابع يوجد مكتب تسوية المنازعات الأسرية وغرفة الخبراء الاجتماعيين، والدعاوى الخاصة بالأسرة يتم إيداعها فى دولايب بطرقة الطابق الرابع، وجميع الدولايب بها أقفال حديدية، وتتعرض محكمة مصر الجديدة لنفس المشكلة، لأن غرف السكرتير ضيقة للغاية، والأمر نفسه بالنسبة لقاعات المحاكم، حيث يوجد بها عدد قليل من المقاعد.

من جانبها، قالت وزارة العدل، فى بيان، خلال حصاد عام 2016، إن قطاع أبنية المحاكم انتهى من ترميم العديد من المحاكم، وافتتاح 7 محاكم على مستوى الجمهورية بالقاهرة والدقهلية وسوهاج وأسيوط والمنيا والبحر الأحمر، اتسمت بطابع حضارى وتكنولوجى، حيث أسهم قطاع تكنولوجيا المعلومات بالوزارة فى التخطيط التقنى لها تيسيراً لعمل الموظفين وإسهاما فى إخراج خدمات دقيقة وسريعة للمواطنين.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بعد الضجة التى أثارها الكشف عن التمثالين فى المطرية: انقسام بين علماء الآثار حول انتشال «رمسيس» و«سيتى» بـ«البلدوزر»
التالى "الإبراشى" : "مش كل حاجه نقول الإخوان"