أخبار عاجلة
مصرع شخص وإصابة 17 آخرين في حوادث طرق بالسويس -
إحالة والد بطلة المصارعة لمحكمة الجنايات -
"غلطة موظف" تمنح محاميًا الجنسية الإسرائيلية -

إفلاس سياسة التجارة الحرة وتحجيم الشركات العابرة للقارات

لا حدود ولا حواجز. لا عوائق ولا مطبات فى طريق تدفق السلع. لا سمات ولا خصائص استهلاكية لكل الشعوب، فالإنسان هو الإنسان كائن مستهلك، وأينما كان فهو هدف لأى مُنتِج كبير.

تلك كانت الفكرة الرائجة مع بروز نظام «العولمة» قبل عشر سنوات من الألفية الثالثة للتبشير بمبدأ حرية التجارة كأساس لتقدم الشعوب وتطورها وحصولها على المُنتجات الأكثر جودة والأقل سعرًا بغض النظر عن بلد المنشأ.

 كان التصور الجذاب للشعوب ونُخبها أن فتح مجال المنافسة بين المنتجات الوطنية والوافدة هو الدافع الأقوى لتحفيز الصناعات الوطنية على تحسين جودتها وخفض أسعارها، وتحت تلك اللافتة جُرجرت دول عديدة لتوقيع اتفاقات تجارة حُرة مع دول أكثر تقدمًا وأكثر قدرة على المنافسة لتفتح أسواقها دون حماية جمركية لسلع متنوعة لتتغير الأنماط الاستهلاكية لكثير من الشعوب الفقيرة وتتلاشى رويدًا آمالها فى بناء صناعات وطنية قوية.

جاءت المفاجآت متوالية لتُسفر عن جوانب خفية من تورط شركات عابرة للقارات فى تمويل خطط وبرامج للتحفيز على تحرير التجارة، ثُم تكشفت الحقيقة موجعة لشعوب الدول النامية عندما فوجئت بالدول الكبرى تضع حواجز أخرى لمنع دخول المنتجات عليها مثل مواصفات البيئة أو اشتراطات حظر عمالة الأطفال، وتصاعد الرفض لفتح أسواق دول الشمال أمام منتجات دول الجنوب ليصل للرفض المباشر غير المُبرر فى كثير من الأحيان لمنتجات الدول النامية، وهو الأمر الذى اتضح معه أن الدول الكبرى نفسها  لا تحترم حرية التجارة مادامت تمثل خطرا على مصالحها أو على مصالح الشركات متعددة الجنسيات. 

لقد وقفت أمريكا موقفًا متطرفًا فى وضع حواجز وقيود على وارداتها من الصلب عندما شكت شركات الصلب الأمريكية من تضررها من المنتجات المستوردة، وقامت الحكومة الأمريكية قبل أكثر من عامين بوضع رسوم على أى منتجات صلب يتم استيرادها من عدة دول أهمها الصين.

وقبل سنوات حذت الحكومة الأمريكية حذوا مشابها عندما فرضت حظرا على دخول منتجات الطاقة المتجددة من الهند، وظلت تمدد الحظر عامًا وراء الآخر دون مبرر سوى عدم قدرتها على المنافسة. وفى توقيت متزامن تم حظر استيراد المجوهرات والأحجار الكريمة من عدة دول حماية للاقتصاد الأمريكى. والملاحظ أن الإدارة الأمريكية ــ التى سبق وبشرت بفكرة التجارة الحرة كأساس للتنمية ــ قاومت ورفضت خلال السنوات الأخيرة دخول أمريكا فى اتفاقات تجارة حرة جديدة مع دول أمريكا اللاتينية، وكان من أبرز أسباب انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة إعلانه رسميًا رفضه تحرير التجارة مع دول العالم حماية للصناعات الوطنية.

لقد كانت التجارة الحرة أكبر مساهم فى تشوية الأنماط الاستهلاكية للشعوب الفقيرة التى بدت مقلدة وظلت تابعة وخاضعة لبرامج التسويق الغربية. وحسبنا أن نشير لفكرة الروائى جابرييل جارسيا ماركيز عندما كتب عن تجربة بلاده فى مقاومة مشروب الكوكاكولا، باعتباره رمزا للهيمنة الأمريكية على كوبا. حكى «ماركيز» كيف أثبت الكوبيون أنه يمكنهم العيش دون كوكاكولا، ففى زمن العداء الصارخ بين واشنطن وهافانا فرضت أمريكا حصارًا اقتصاديًا على كوبا كنوع من العقاب السياسى، وكان الشعب الكوبى مُتيمًا بمشروب الكوكاكولا حتى أنهم كانوا يتصورون أن الدكتور «لامبرتين» مخترع الكوكاكولا  الأمريكى وضع مركبا سريا فى ذلك المشروب يربط كرات الدم به ارتباطا أبديا. فى ذلك الوقت كان تشى جيفارا  هو وزير الصناعة فى كوبا، وعقد مؤتمرًا صحفيًا  قال فيه  إن الكوكاكولا رمز للإمبريالية الأمريكية وأنه يجب مقاومتها ليس لخطرها أو ضررها، وإنما لمقاومة ثقافة وافدة مُهيمنة والعودة إلى الذات، فى الوقت الذى شجع فيه ابتكار مشروب وطنى هو «كوبا ليبرى».  ورغم أن جيفارا قال عندما تذوقه إن له طعمًا يُشبه «الصراصير» إلا أن الناس أقبلوا عليه وصار مُستحسنا وشب جيل جديد يعشق «الكوبا ليبرى» ويشمئز ويستنكر ويرفض الكوكاكولا.

تلك كانت تجربة كوبا لرفض الاستحواذ على الذائقة الاستهلاكية للكوبيين، وهو ما أثبت أن لكل شعب مذاقه، وموضته، وأسلوبه فى تحبيذ سلع بعينها والنفور من أخرى. 

ومثل كوبا أثبتت دول أخرى عديدة أن الإيمان بمنتجاتها الوطنية هو السبيل الوحيد للتقدم وكانت أبرز الأمثلة فيتنام التى وضعت بعد خروج الاحتلال الأمريكى مخططات لمشروعات وطنية كبرى خاصة فى الصناعة لتصبح اليوم واحدة من أكبر الدول المستحوذة على سوق الملابس فى أمريكا نفسها.

 

 

اخبار متعلقة

 

انهيار ثقافة «نهاية التاريخ».. وتفكيك أكذوبة «العالم قرية صغيرة»

عودة الدولة القومية مقابل الاتحادات الكبيرة والحدود المفتوحة

موت مفهوم القطب الواحد وفشل دور «شرطي العالم»

غياب الأيديولوجيات الكبرى وتكريس الفكر البراجماتي النفعي

تجفيف منابع التمويل الأجنبي والتخلي عن فرض الديمقراطية بالقوة

انتهاء دور الإعلام العالمي فى غسل الأدمغة وتوجيه الرأي العام

تراجع سيطرة المؤسسات المالية والسياسية الغربية على مصائر الشعوب

إحياء المشروعات الوطنية وتعزيز إجراءات الحماية المحلية

سقوط العولمة

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى وزير الاتصالات: معرض القاهرة الدولي نقطة تحول لتنفيذ تكليفات الرئيس