«المصرى اليوم » ترصد رحلة البحث عن سرير: «غرفة العناية» فى «الإنعاش»

رحلة البحث عن سرير بـ«العناية المركزة» فى مصر، مأساة حقيقية يعيشها المصريون، الذين دائما ما يخوضون رحلة عذاب بحثا عن سرير لإنقاذ حياة شخص من الموت المحقق ربما يكون أبا أو أما، أو طفلا أو صديقا عزيزا.

وغالباً ما يؤكد المسؤولون أن ما تعانيه المستشفيات من عجز فى غرف العناية المركزة التى تحتاج إلى «الإنعاش» يرجع إلى محدودية الإمكانيات المادية والطبية والبشرية.

«المصرى اليوم» رصدت أوجاع المصريين مع أوضاع غرف العناية المركزة فى جميع محافظات الجمهورية، للتعرف على الوضع الراهن وعدد الغرف المتاحة وحجم الاحتياجات الفعلية التى نحتاج إليها فى كل محافظة من أجل مواجهة تلك الأزمة المزمنة، وذلك مع تزايد خطورة عجز غرف العناية على صحة المواطنين، وازدياد شكاواهم فى الآونة الأخيرة، خاصة من الفقراء والبسطاء الذين لا يجدون قوت يومهم وتشتت مرضاهم بين المستشفيات انتظاراً لدورهم فى الحصول على هذه العناية والذى معه قد تضيع حياتهم هباء نتيجة انتظار دورهم.

غرف العناية فى الإنعاش

«العناية المركزة» مأساة حقيقية يعيشها أهالى الإسماعيلية، ومحافظات القناة وسيناء يومياً فى رحلة عذاب بحثا عن سرير لإنقاذ حياة شخص ربما يكون طفلا أو أما أو أحد ضحايا حوادث الطريق، لإنقاذ حياة شخص من الموت المحقق.

وترصد «المصرى اليوم» تجربة إحدى الأسر، بحثا عن سرير «عناية مركزة» لإنقاذ رب الأسرة من الموت، بعد إصابته بنزيف حاد بالمخ والتى استمرت 20 ساعة.

بدأت الرحلة عندما أصيب سيد مصطفى احمد، 59 سنة، موظف بحالة إغماء وتم نقله إلى المستشفى، وتبين أنه مصاب بنزيف بالمخ ويحتاج إلى عناية مركزة، وكانت عقارب الساعة تشير نحو الرابعة عصراً يوم الأربعاء 24 يناير الماضى.

يحكى محمد مصطفى، شقيق المريض، قائلا: «توجهنا إلى مستشفى جامعة قناة السويس التخصصى والذى يبلغ رسوم دخوله 10 آلاف جنيه وطلبوا تقريرا مفصلا بالحالة قبل الرد بوجود سرير عناية مركزة من عدمه، وبعد إحضار التقرير ودراسته من الأطباء أكدوا أنه لا يوجد سرير للمريض، ولا سرير للرعاية الوسيطة أيضا وهى عناية أقل من المطلوبة.

وأضاف مصطفى: «توجهنا إلى مستشفى جامعة قناة السويس التعليمى وبمجرد السؤال كانت الإجابة قاطعة وحاسمة، (لا طبعا، ده فيه حالات على الانتظار من بدرى جداً)، وكل المحاولات والاتصالات لإنقاذ المريض لم تفلح، حيث يؤكد كل مسؤولى الصحة والمستشفيات أن البحث عن سرير عناية مركزة هو أمر عظيم، وأن سرير العناية يتكلف أكثر من 2 مليون جنيه بالأجهزة التى تعمل عليه، ولا توجد أسرة كافية لخدمة المرضى».

وتابع: تكرر الأمر فى مستشفى الاسماعيلية العام، وخلال تلك الرحلة الشاقة التى تمر بصعوبة لمحاولة إنقاذ مريض بدأت حالة المريض تسوء، بينما شرعت الأسرة فى البحث عن سرير فى المركز الطبى العالمى بطريق القاهرة الاسماعيلية، ومستشفيات الزقازيق، وبعد أكثر من 20 ساعة تم تحويل المريض إلى مستشفى دار الفؤاد بالقاهرة، فى ظل تدهور حاد لحالته.

وداخل مستشفيات جامعة القناة والمستشفى العام يؤكد أهالى أكثر من مريض بمحافظات الإسماعيلية وبورسعيد والسويس وشمال وجنوب سيناء، أنهم ظلوا أسابيع يبحثون عن سرير للعناية المركزة فى مستشفيات جامعة القناة التى تخدم 5 محافظات بخلاف الحالات الحرجة والحوادث دون جدوى.

وقال مصدر طبى مسؤول بمديرية صحة الإسماعيلية، إنه لا يوجد بالمحافظة سوى 45 سريراً عناية مركزة موزعة على مستشفيات المحافظة، وفى مستشفى الإسماعيلية العام يوجد 18 سرير عناية مركزة عامة و12عناية قلب و8 عناية كبد و4 عناية حروق، وفى مستشفى التل الكبير المركزى توجد 4 أسرة عناية مركزة تحتاج لطبيب عناية، وفى مستشفى القنطرة غرب المركزى توجد 6 أسرة عناية مركزة وتحتاج أيضا إلى أطباء عناية مركزة، وفى مستشفى القنطرة شرق المركزى توجد 4 أسرة عناية مركزة، ولا يوجد أطباء ولا تمريض عناية مركزة، وفى مستشفى الأورام توجد 10 أسرة عناية مركزة تعمل مجاناً لمرضى السرطان، بينما يتم الاستعانة بها أحيانا لسد حاجة الطوارئ مقابل مصاريف وتأمين دخول يصل إلى 7 الآف جنيه ما يمثل عبئا على المرضى.

وقال الدكتور ممدوح غراب، رئيس جامعة القناة، إنه يوجد 16 سرير عناية مركزة منها 10 أسرة عناية مركزة عامة و6 أسرة عناية قلب وجميعها مجانا بالإضافة إلى 12 سرير عناية مركزة فى المستشفى التخصصى، التابع للجامعة، بمصروفات تخصص عائد منها للصرف على المستشفى الجامعى، لافتاً إلى أن نسبة الإشغال 100%.

ونفى «غراب»، وجود أزمة فى أطباء العناية، مؤكدا أنه جار تجهيز أكبر مركز متكامل للعناية المركزة لخدمة منطقة القناة وسيناء بكاملها بطاقة مقررة 50 سريرا على مرحلتين، لافتا إلى أن المرحلة الأولى تبدأ فور الانتهاء من المبنى الخاص به فى يونيو المقبل، معترفاً بوجود أزمة فى التمويل للمركز الجديد، لافتاً إلى أنه سيلجأ إلى توفير الاعتمادات اللازمة من ميزانية الجامعة والتعليم العالى والتعاون الدولى فور تسلم المبنى. وأشار الدكتور سليمان القماش، رئيس أقسام الجراحة العامة بمستشفيات الجامعة، إلى أن مصر فى حاجة حقيقية إلى الاهتمام بملف العناية المركزة لأى مواطن أو مصاب يتمسك بالحياة.

وشدد «القماش» على ضرورة تأهيل جيل كامل من الأطباء المتخصصين فى أسرة العناية المركزة وعمل قاعدة معلومات عن أسرة العناية من خلال شبكة موحدة قادرة على إدارة أى أزمة صحية أو كارثة قومية فى أى وقت واستيعاب أى عدد من المصابين أو المرضى المحتاجين.

وقال الدكتور نزيه أحمد رفعت، استشارى التخدير والعناية المركزة، أمين عام نقابة الأطباء بالإسماعيلية، إن العناية المركزة تحتاج ألى دعم كامل من كل اجهزة الدولة حتى نرتقى بمثل هذه الخدمة الهامة للمواطنين.

وأشار «نزيه» إلى أن المستشفيات لا تهتم بطبيب العناية المركزة وتقديره ماديا ما يجعل هناك عزوف عن تسجيل طلاب كلية الطب لقسم العناية المركزة فى الوقت الذى لا يقوم فيه طبيب العناية المركزة بفتح عيادة شخصية أو غيره بالخارج بعد أن تم فصل قسم التخدير عن العناية المركزة.

وأضاف أن محافظة الإسماعيلية تحتاج لأكثر من ١٦٠ سرير عناية، وأن السرير الواحد يتكلف أكثر من 2 مليون جنيه بالأجهزة التى تعمل عليه، مؤكدا أن هناك بعض الأماكن الخاصة تقوم بالتعاقد مع طبيب العناية من الخارج بمبلغ 1000 جنيه يوميا أى 30 ألف جنيه شهريا، فى الوقت الذى من الممكن أن يتم إعطاء هذا الطبيب 10 آلاف جنيه شهريا ويعمل بشكل دائما بالمستشفى، ومن ثم يتم توفير 20 ألف جنيه للمستشفيات، لافتا إلى أن الطبيب المتخصص فى العناية المركزة، بالمستشفيات الحكومية يحصل على راتب لا يتعدى 4 آلاف جنيه فقط. وأوضح أن تبرعات الجمعيات الأهلية قليلة جدا أمام ما تحتاجه المستشفيات.

1222 سريراً لخدمة 5 ملايين مواطن فى الإسكندرية

غرف العناية فى الإنعاش

تعانى المستشفيات الحكومية والخاصة والجامعية والمؤسسة العلاجية فى الإسكندرية محدودية الإمكانيات المادية والطبية والبشرية، ما يؤثر سلباً على آلاف المرضى المترددين على هذه المستشفيات، خاصة فى رحلة العثور على سرير بوحدات العناية المركزة، نظراً لتكلفتها الباهظة فى المستشفيات الخاصة، وقوائم الانتظار الطويلة فى المستشفيات الحكومية والجامعية.

ويقول الدكتور مجدى حجازى، وكيل أول وزارة الصحة: «إن مستشفيات المحافظة، التى يبلغ عدد سكانها حوالى 5 ملايين نسمة، لا يوجد بها إلا 1222 سريراً بالعناية المركزة، منها 243 فقط بمستشفيات وزارة الصحة، و566 سرير عناية بالمستشفيات الجامعية، بينما تحظى المستشفيات الخاصة بـ446 سرير عناية، فيما تفتقد هيئة التأمين الصحى لأى سرير عناية، ما يضطرها إلى إرسال مرضاها إلى المستشفيات الخارجية بمقابل تدفعه الهيئة». وتابع: «نعانى نقصا فى أجهزة العناية المركزة والتنفس الصناعى وأجهزة جراحة العظام والمناظير، بالإضافة إلى مشكلة التوزيع الجغرافى للعنايات، ومن المفترض أن يكون العدد الحكومى أكبر بكثير لاستيعاب أكبر عدد من المرضى الفقراء، الذين يلجأون إليها».

ويرى الدكتور طارق خليفة، مسؤول الشؤون العلاجية بقطاع المستشفيات الجامعية، أن «المشكلة التى يعانى منها المستشفى، باعتباره من أكبر المستشفيات التى تواجه ضغوطاً بشرية يومياً من المرضى، هى ندرة عدد أَسِرّة قسم العناية المركزة، وهو ما تعانيه جميع مستشفيات الإسكندرية، حيث نضطر للعمل بنظام (الدور) فى قسم العناية، ورغم ذلك لم نرفض أى مريض وصل إلينا، خاصة أننا مستشفى تعليمى بحثى».

غرف العناية فى الإنعاش

وكشف «خليفة» عن وجود جدول زمنى لمرضى العناية المركزية للحجز وانتظار الدور، لافتاً إلى وجود مخاوف بسبب مضاعفة عدد المرضى فى الصيف، وأن المستشفى الرئيسى الجامعى يستقبل نحو 140 ألف مريض سنوياً، بينهم 67 ألف مريض بقسمى «الجراحة والباطنة» والباقى بالأقسام الداخلية، ما يشكل ضغطاً على المستشفى، الذى يخدم مرضى 4 محافظات. ويشير الدكتور أحمد سعد، مدير مستشفى الشاطبى الجامعى للأطفال، إلى أن المستشفى- رغم الإمكانيات المتاحة لديه- يتردد عليه سنوياً 500 ألف مريض، من 4 محافظات، بواقع 40 ألف مريض شهرياً، ما بين كشف فى عيادات خارجية وحجز وعناية مركزة ومتوسطة وجراحة أطفال وقسطرة أطفال ووحدة مناظير للأطفال وأمراض وراثية للأطفال والأطفال المبتسرين، وتوجد لدينا 90 حضّانة أطفال مبتسرين و72 سريرا للأطفال المبتسرين، ونحتاج رفع عدد الأَسِرّة إلى أكثر من 150 سريرا، فضلاً عن سد العجز فى هيئات التمريض.

ويضيف «سعد»: «المستشفى يعانى زيادة كبيرة فى قوائم الانتظار بجميع وحداته، خاصة العناية المركزة والجراحة والعنابر وسرطان الدم، ولدينا مشاكل كثيرة، أبرزها نقص الأدوية ومحاليل غسيل الكلى بنسبة تصل إلى أكثر من 25%»، لافتاً إلى أن قسم مكافحة العدوى بالمستشفى يحتاج 4 أجهزة مونيتور لمرضى الصرع بوحدة الأمراض العصبية، خاصة أن هناك 50 جهازاً فقط، ونحتاج أيضاً 24 سريراً للمرضى وجهازى تنفس صناعى.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق محاسب ينهى حياة شقيق زوجته بسبب المصاريف
التالى جرائم الأسرة.. «ناقوس خطر» يدق أبواب البيوت (ملف خاص)